كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 111
ويتجاوز الحسن إلى القبيح ، بل وإلى أقبح القبيح ، ومن تركه اهلكته وإن جل آلهوعظمت جنوده وأمواله ، قال كالتعليل لذلك : ( سأوريكم دار الفاسقين ) أي الذين يخرجونعن أوامري إلى ما انهاهم عنه فانصركم عليهم وأمكنكم بفسقهم من رقابهم وأموالهم من الكنعانيين والحاثانيين وغيرهم من سكان الراضي المقدسه لتعلموا أن من أغصبني وترك أمري أمكنت منه ، وإنما ذكر الدار لئلا تغرهم منعتها إذا استقروا بها فيظنوا أن لا غالب لهم فيها بوعورة أرضها وشهوق جبالها وإحكام أسوارها ، وإذا تأملت ما سيأتي في شرح هذه الآيات من التوراة لاح لك هذا المعنى ، وكذا ما ذكر من التوراة عند قوله في المائدة
77 ( ) قل هو أنبئكم بشر من ذلكم مثوبة عند الله ( ) 7
[ المائدة : 60 ] وفي هذه الجملة المختصرة بشارة يإتمام الوعد بنصرتهم عليهم بطاعتهم ونذارة على تقدير معصيتهم ، فكأنه قيل : إن أخذوا بالأحسن أريتهم دار الفاسقين ، وأتممت عليهم النعمة ما دامو على الشكر ، وإن لم ياخذوا اهلكتهم كما أهلك الفاسقين من بين يديهم ، فحذرهم لئلا يفعلوا افعالهم إذا استقرت بهم الدار ، وزالت عنهم الكدار ، ويؤيد كون المراد القدس لا مصر وبعث موسى عليه السلام ، ولا ينفي ذلك تاحتمال مصر أيظاً - الله أعلم ولما انقضى ذلك ، كان كأنه قيل : وكيف يختار عاقل ذلك ؟ فكيف بمن رأى الآيات وشاهد المعجزات ؟ فقال : ( ساصرف عن آياتي ) أي المسموعة والمرئية على عظمتها بما أشارت إليه الإضافة بالصرف عن فهمها واتباعها والقدرة على الطعن فيها بما يؤثر في إبطالها ) الذين يتكبرون ) أي يطلبون الكبر بما ليس لهم ويعملون قواهم فيه ) في الأرض ) أي جنسها الذي امرت بالتواضع فيه ولما كان من رفعه الله بصفة فاضلة فوضع نفسه موضعها ولم يهنها نظراً لما أنعم الله به عليه ومنحه إياه ربما سمى ذلك كبراً ، وربما سمى طلبه لتلك الأخلاق التي توجب رفعته تكبراً ، وليس كذلك وإن وافقه في الصورة ، لمفارقتها له في المعنى فإنه صيانه النفس عن الذل ، وهو إنزال النفس دون منزلتها صنعة لا تواضعاً ، والكبر رد الحق واحتقار الناس ، ففي التقييد هنا إشارة خفية لإثبات العزة بالحق والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الصنعة وقوفاً على شرط العزم المنصوب على متن نار الكبر ؛ قال الإمام السهروردي : ولا يؤيد في ذلك ويثبت عليه غلاقدام العلماء الراسخين - قال تعالى احترازاً عنه ومدخلاً كل كبر خلا عن الحق الكامل : ( بغير الحق ) أي إنما يختار غير الأحسن من يختاره بقضائي الذي لا يرد وأمري العالي على

الصفحة 111