كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 112
أمر كل ذي جد فأزين لمن علمت خباثة عنصره ورداءة جوهره ما أريد حتى يرتكبوا كل قبيحة ويتركوا كل مليحة ، فينصرون عن الآيات ويعمون عن الدلالات الواضحات ولما أخبر بتكرهم في الحال ، عطف عليه فعلهم في المآل فقال : ( وإن يروا كل آية أي مرئية أو مسموعة ) لا يؤمنوا بها ) أي لتكبرهم عن الحق ) وإن يروا سبيل ) أي طريق ) الرشد ) أي الصلاح والصواب الذي هو أهل للسلوك ) لا يتخذوه سبيلاً ) أي فلا يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد ، بل إن سلكوه فعن غير قصد ) وإن يروا سبيل الغي ) أي الضلال ) يتخذوهة سبيلا ) أي بغاية الشهوة والتعمد والاعتمال لسلوكه .
ولما كان هذا محل عجب ، أجاب من يسأل عنه بقوله : ( ذلك ) أي الصرف العظيم الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن افيمان واتخاذ الرشاد ) كذبوا بآيتنا ) أي فلم يعتبروا عظمتها ) ولقاء الآخرة ) أي ولقائهم إياها أو لقائهم ما وعدوا به فيها ، اللازم من التكذيب بالآيات الحامل التصديق بها على معالي الخلاق ) حبطت ) أي فسدت فسقطت ) أعمالهم ( والاية من الاحتباك : إثبات الغفلة أولاً يدل على إرداتها ثانياً واللقاء ثانياً يدل على إرادته أولاً ولما كان كانه قيل : لم بطلت ؟ قيل : ( هل يجزون إلا ما ) أي جزاء ما ) كانوا يعملون أي بإبطال أعمالهم وإن عملوا كل حسن سوى الإيمان بسبب أنهم أبطلوا الآيات والآخرة بتكذيبهم بها ، أي عدوها باطلة ، والجزاء من جنس العمل ، والحاصل أنهم لما عموا عن الآيات لأنهم لم ينظروا فيها ولا انقادوا مع ما دلت عقولهم عليه من أمرها ، بل سدوا باب الفكر فيها ؛ زادهم الله عمى فختم على مداركهم ، فصارت لاينتفع بها فصاروا لا يعون ، وهذه الآيات أعظم زاجر عن التكبر ، فإنها بينت انه يوجب الكفر والإصرار عليه والوهن في جميع الأمور ، ولما كان ذلك كله مما يتعجب الموفق من إرتكابه ، أعقبه تعالى مبيناً ومصوراً ومحققاً لوقوعه ومقرراً قوله عطفاًُ على
77 ( ) فأتوا على قوم يعكفون ( ) 7
[ الأعراف : 138 ] مبيناً لإسراعهم في الكفر : ( واتخذ ) أي بغاية الرغبة ) قوم موسى ) أي باتخاذ السامري ورضاهم ، ولم يعتبروا شيئاً مما أتاهم به من تلك الآيات التي لم يررمثلها ) من بعده ) أي بعد إبطائه عنهم بالعشرة الأيام التي

الصفحة 112