كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 122
ونحن في غيرالحضرة فلم تهلكنا ، فإنعامك علينا ونحن في حضرة القدس وبساط القرب والأنس أولى ثم لما كان الحال مقتضياً لأن يقال : ألم تر إلى ما اجترؤوا عليه ، وكان كأنه قال : إنما قال ذلك قوم منهم سفهاء ، دل على ذلك بقوله استعطافاً : ( اتهلكنا ( وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان رجفتهم كانت بسبب أنهم لم ينهوا عن عبادة العجل مع انهم لم يرضوا بذلك .
وكأن موسى عليه السلام عبر بهذه العبارة المقتضية لإهلاك الجميع لأنه جوز أنه كما أهلك هؤلاء يهلك غيرهم لتقصير آخر بسبب ذلك كعدم الجهاد مثلاً حتى يعمهم الهلاك ) بما فعل السفهاء منا ( فكأنه ( صلى الله عليه وسلم ) رضي أنه إن لم يشملهمالعفو أن يخص العفو بمن لم يذنب بالفعل ويعفو عمن قصر بالسكوت ، وعلى تقدير كون الميقات غير الأول يجوز أن يكون بعد اتخاذهم العجل كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فيكون موسى عليه السلام خاف ان يكون إهلاكهم فتنة لبني إسرائيل وسبباً لكفرهم كما كان إبطاؤه عنهم بزيادة عشرة ايام الثلاثين في الميقات الأول سبباً لاتخاذهم العجل ، ويجوز حيئذ أن يراد بفعل السفهاء اتخاذ العجل ، ويؤيده التعبير بالفعل دون القول وقد تقدم نقله عن ابن عباس رضي الله عنهما ولما كان قوله هذا ربما أفهم رضاه بهلاك المذنبين ، قال معرضاً بالسؤال في العفو عن الجميع : ( إن هي ) أي الفتنة التي أوقعها السفهاء ) إلا فتنتك ) أي ابتلاؤك واختياك ) تضل بها من تشاء ) أي تظهر في عالم الشهادة من ضلاله ما كان معلوماً لك في عالم الغيب ) وتهدي من تشاء ) أي تظهر ما في علمك من ذلك ولما اثبت ان الكل بيده ، استأنف سؤاله في ان يفعل لهم الأصلح فقال : ( أنت ( اي وحدك ) ولينا ) أي نعتقد انه لا يقدر على عمل مصالحنا غيرك ، وأنت لا نفع لك في شيء من الأمرين ولا ضر ، بل الكل بالنسبة إليك على حد سواء ، ونحن على بصيرة من أن افعالك لا تعلل بالأغراض ، وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك من يضرنا ، ونحن في حضرتك قد انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا لديك .
ولما اثبت أنه الفعال لما يشاء وأنه لا ولي لهم غيره ، وكان من شأن الولي جلب النفع ودفع الضر ، سبب عن كونه الولي وحده قوله بادئاً بدفع الضرر : ( فاغفر لنا ) أي امح ذنوبنا ) وارحمنا ) أي ارفعنا ؛ ولما كان التقدير : فأنت خير الراحمين ، عطف عليه دفعاً للصفة الخسيسة وهي صفة الحقد ونحوه ، وانت منزه عن ذلك ، وكأنه أحسن العفو عنهم فقال عاطفاً على سؤاله فيه : ( واكتب لنا ) أي في مدة إحيائك لنا ) في هذه

الصفحة 122