كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 142
الكفر - انتهى .
وحقيقة : جاوزوا الأمر إلى النهي ، أو جاوزوا الائتمار بأمره ، والمادة ترجع إلى الغلظ والشدة والصلابة ) قلنا لهم ) أي بما لنا من القدرة العظيمة ) كونوا قردة ) أي في صورة القردة حال كونكم ) خا سئين ) أي صاغرين مطرودين بعدين عن الرحمة كما يبعد الكلب .
ولما تبين بما مضى من جرأتهم على المعاصي وإسراعهم فيها استحقاقهم لدوام الخزي والصغار ، أخبر أنه فعل بهم ذلك على وجه موجب للقطع بأنهم مرتكبون في الضلال ، مرتكبون سيئ الأعمال ، ما دام عليهم ذلك النكال ، فقال : ( وإذ ( وهو عطف على ) وسئلهم ) أي واذكر لهم حين ) تأذن ) أي اعلم إعلاماً عظيماً جهراً معتنى به ) ربك ) أي المربي لك والممهد لأدلة شريعتك والناصر لك على من خالفك .
ولما كان ما قيل جارياً مجرى القسم ، تلقى بلامه ، فكان كانه قيل : تاذن مقسماً بعزته وعظمته وعلمه وقدرته : ( ليبعثن ) أي من مكان بعيد ، وأفهم أنه بعث عذاب بأداة الاستعلاء المفهمه لأن المعنى : ليسلطن ) عليهم ) أي اليهود ، ومد زمان التسليط فقال : ( إلى يو القيامة ( الذي هو الفيصل الأعظم ) من يسومهم ) أي ينزظل بهم دائماً ) سوء العذاب ( بالإذلال والاستصغار وضرب الجزية والاحتقار ، وكذا فعل سبحانه فقد سلط عليهم المم ومزقهم في الأرض كل ممزق من حين أنكروا رسالة المسيح عليه السلام ، كما اتاهم به الوعد الصادق في التوارة ، وترجمة ذلك موجودة بين أيديهم الآن في قوله في آخر السفر الأول : لا يزول القضيب من آل يهودا ، لا يعدم سبط يهودا ملكاً مسلطاً واتخاذه نبياً مرسلاً ختى ياتي الذي له الملك - وفي نسخة : الكل - وإياه تنتظر الشعوب ، يربط بالحلبة جحشه ؛ وقال السمؤال في اوائل كتابه غاية المقصود : نقول لهم : فليس في التوارة التي في ايديكم ما تفسره : لا يزول الملك من آل يهودا والراسم بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح فلا يقدرون على جحده ، فنقول لهم : إذا علمتم انكم كنتم اصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح ثم انقضى ملككم - انتهى .
ومن أيام رسالة المسيح سلط الله عليهم الأمم ومزقهم في الأرض ، فكانوا مرة تحت حكم البابليين ، وأخرى تحت أيدي المجوس ، وكرة تحت قهر الروم من بني العيص ، واخرى في أسر غيرهم إلى أن اتى لالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فضرب عليهم الجزية هو وامته من بعده ولما كان السياق وموجباته ، علل ذلك مؤكاً بقوله : ( إن ربك ( اي المحسن إليك بإذلال أعدائك الذين هم أشد الأمم لك ولمن آمن بك عداوة ) لسريع العقاب ( اي يعذب عقب الذنب بالانتقام باطناً بالنكته السوداء في القلب ، وظاهراً - إن أراد - بما يريد ، وهذا بخلاف ما في الأنعام فإنه في سياق الإنعام بجعلهم خلائف

الصفحة 142