كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 148
ولما كان السياق لأخذ المواثيق والأخذ بقوة ، ذكر أخذ الذرية من أقوى نوعي الآدمي ، وهمالذكور فقال : ( من بني آدم ( وذكر أنه من أمتن الأعضاء فقال : ( من ظهورهم ( كل واحد من ظهر أبيه ) ذرياتهم ( إشارة إلى أنه أكد عليهم المواثيق وشددها لهم وأمرهم - بالقوة في أمرها ، أعطاهم من القوة في التركيب والمزاج ما يكونون به مطيعين لذلك ، فهو تكليف بما في الوسع ، وجعل لهم عقولاً عند من قال : هو على حقيقته كمنلة سليمان عليه الصلاة والسلام ) وأشهدهم على أنفسهم ) أي أوضح لهم من البراهين من الإنعام بالعقول مع خلق السماوات والأرض وما فيهماعلى هذا المنوال الشاهد له بالوحدانية وتمام العلم والقدرة ، ومن إرسال الرسل المؤيدين بالمعجزات ما كانوا كالشهود بأنه لا رب غيره ؛ وقد ذكر معنى هذا الإمام حجة الإسلام الغزالي في الكلام على العقل من باب العلم من الإحياء فإنه قال معنى هذه الآية : والمراد إقرار نفوسهم ، لا إقرار الألسنة ، فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص ؛ ثم ذكر أن النفوس فطرت على معرفة الأشياء على ما هي عليه لقرب الاستعداد للإدراك ولما تبين أنه فرد لا شريك له فلا راد لأمره ، وأنه رب فلا أرأف منه ولا أرحم ، كان ذلك أدعى إلى طاعته خوفاً من سطوته ورجاء لرحمته ، فكانوا بذلك بمنزلة من سئل عن الحق فأقر به ، فلذلك قال : ( ألست بربكم ) أي المحسن إليكم بالخلق والتربية بالرزق وغيره ) قالوا بلى شهدنا ) أي كان علماً شهودياً ، وذلك لأنهم وصلوا بعد البيان إلى حد لا يكون فيه الجواب إلا ذلك فكأنهم قالوه ؛ فهو - والله أعلم - من وادي قوله تعالى
77 ( ) ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً ( ) 7
الرعد : 15 ] - الآية و
77 ( ) لله ما في السموات والأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ( ) 7
[ النحل : 49 ] .
ولما كان كأنه قيل : لم فعل ذلك ؟ قيل : دلالة على أن المتقدم إنما هو على طريق التمثيل يجعل تمكينهم من الاستدلال كالإشهاد ، فعلة كراهة ) أن يقولوا يوم القيامة ) أي إن لم ينصب لهم الأدلة ) إنا كنا هن هذا ) أي وحدانيتك وربوبيتك ) غافلين ) أي لعدم الأدلة فلذلك أشركنا ) أو يقولوا ) أي لو لم نرسل إليهم الرسل ) إنما أشرك آباؤنا من قبل ) أي من قبل أن نوجد ) وكنا ذرية من بعدهم ( فلم نعرف لنا مربياً غيرهم فكنا لهم تبعاً فشغلنا اتباعهم عن النظر ولم يأتنا رسول منبه ، فيتسبب عن ذلك إنكارهم في قولهم : ( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) أي من آبائنا ؛ قال أبو حيان : والمعنى أن

الصفحة 148