كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 159
ولما كان كأنه قيل : ما لهم رضوا لأنفسهم بطريق جهنم ؟ قيل : ( لهم ( ولما كان السياق للتفكير ، بدأ بالقلوب فقال : ( قلوب لا يفقهون بها ) أي الفقه الذي كلفوا به ، وهو النظر في أدلة التوحيد وثبوت النبوة وما تفرغ عن ذلك ، وههو الفقه المسعد ، عد غيره عد غيره عدماً لأنه لم ينفعهم النفع المقصود في الحقيقة ، وما أحسن التعبير بالفقه في السياق إقامه الأدلة التي منها إرسال الرسل وإنزال الكتب ولما كان البصر أعم من السمع ، لأنه ينتفع به الصغير الذي لا يفهم القول ، وكذا كل من في حكمه ، قدمه فقال : ( ولهم أعين ( ولما لم يترتب عليهما الإبصار النافع في الآخرة الباقية ، نفى إبصارهم وإن كانوا أحدّ الناس إبصاراً فقال : ( لا يبصرون بها ) أي الآيات المرئية إبصار تفكر واعتبار ) ولهم آذان ( ولما لم يتؤتب على سمعها ما ينفعهم ، نفاه على نحو ما مضى فقال : ( لا يسمعون بها ) أي الآيات المسموعة وما يدل عليها سماع ادكار وافتكار ، ولما سلبت عنهم هذه المعاني كانت النتيجة : ( أولئك ) أي البعداء من المعاني الإنسانية ) كالأنعام ) أي في عدم الفقه ، ولما كانوا قد زادوا على ذلك تفقد نفع السمع والبصر قال : ( بل هم أضل ( لأنهم إما معاند وإما جاهل بما يضره وينفعه ، والأنعام تهرب إذا سمعت صوتاً منكراً فرأت بعينها أنه يترتب عليه ضرها ، وتنتظر ما ينفعها من الماء والمرعى فتقصده ، والأنعام لا قدرة لها على ما يترتب على هذه المدارك من الفقه .
وهؤلاء مع قدرتهم على ذلك أهملوا فنزلوا عن رتبتها درجة كما أن من طلب الكمال وسعى له سعيه مع نزاع الشهوات علا عن درجة الملائكة بما قاسى من الجهاد .
ولما تشاركوا الأنعام بهذه في الغفلة وزادوا عليها ، أنتج ذلك قطعاً على طريق الحصر : ( أولئك ) أي البعداء البغضاء ) هم ) أي خاصة ) الغافلون / ( لا الأنعام ، فإنها - وإن كانت غافلة عما يراد بها - غير خالدة في العذاب ، فلم تشاركهم في العمى والصمم عما ينفعها ولا في الغفلة عن الخسارة الدائمة ، فقد أشارت الآية إلى تفصيل الإنسان على الملك كما اقتضيته سورة الزيتون ، لأنه جعل في خلقه وسطاً بين الملك الذي هو عقل صرف والحيوان الذي هو شهوة مجردة ، فإن غلب عقله كان أعلى بما عالجه من جهاد الشهوات فكان في
77 ( ) أحسن تقويم ( ) 7
[ التين : 5 ] وإن غلبت شهوته كان اسفل من الحيوان بما أضاع من عقله فكان
77 ( ) أسفل سافلين ( ) 7
[ التين : 5 ] ولما أنتج هذا أن لهم الأسماء السوأى ولمعبوداتهم أسوأ منها ، عطف عليه دفعاً لوهم من يتوهم بالحكم بالضلال والذرء لجهنم مالا يليق ، وتنبيهاً على أن الموجب لدخول جهنم الغفلة عن ذكر الله ودعائه - قوله : ( ولله ) أي الملك الأعلى المحيط