كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 173
وهذا الفرق بين من يعبد بحق ومن يعبد بباطل ليرجعوا عن غيهم وعنادهم ، فقال مبيناً أنهم ليسوا في شيء من صفاته مصرحاً بنفي النصرة التي أثبتها له عنهم مع المواجهة بالخطاب الذي هو أفظع في الجواب : ( والذين تدعون ) أي تديمون دعاءهم ) من دونه ( - فإنهم يدعونه سبحانه في بعض الأوقات - أوتدعونهم تاركين له ) لا يستطعيون نصركم ) أي بوجه من وجوه النصرة بدليل عجزكم عني وأنا وحدي وأنتم أهل الأرض ) ولا أنفسهم ينصرون ( بدليل أن الكلب يبول عليهم فلا يمنعونه .
ولما كان دعاء الجماعة أقرب إلى السماع من دعاء الواحد ، نسق على ما قبله قوله : ( وإن تدعوهم ) أي يا من هم أضل منهم وأعجز ) إلى الهدى ) أي إلى الذي هو أشرف الخلال ليهتدوا في نصر أنفسهم بالنسبة إلى كل أحد على حد سواء ، قال مفرداً للمخاطب : ( وتراهم ) أي أيها الناظر إليهم ) ينظرون إليك ) أي نوعاً من الإبصار ، وما أشبه مضمون هذه الآيات بما في سفر أنبياء بني إسرائيل في نبوة أشعياً : هكذا يقول الرب ملك إسرائيل ومخلصه : أنا الأول وأنا الآخر ، وليس إله غيري .
ومن مثلي يدعي ويظهر قوته ويخبر بما كان منذ بسطت الدنيا إلى الأبد ، والآيات القديمة تظهر للشعوب ، فلا يفزعون ولا يخافون ، ألم أسمعكم منذ أول الدهر وأظهرها لكم وأبين لكم الأمور وأنتم شهدائي أن ليس إله غيري ، وليس في أعمالهم منفعة ، وأن الصناع الذين يعلمونها هم يشهدون عليها أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعلم ، لذلك يخزي جميع صناع الأوثان المسبوكة لأن جميع ما صنعوا لا عقل له ، فيجمعون كلهم وبخزون ويفتضحون لأن النجار نجت بحديده وهيأ صنماً بمنقاره وسدده بقوة ساعده وجاع وعطش في عمله والنجار اختار خشبة وقدرها وألصق بعضها ببعض بالغراء وركبها وعملها كشبة الإنسان ، أقام من الخشب الذي قطع من الغيضة كشبه رجل الذي نبت من شرب المطر ليصير للناس للوقود فعملوه لهم إلهاً وعبدوه وسجدوا له ، الذي ينصفه خبزوا لهم خبزاً وشووا لهم لحماً على جمرة وأكلوا وشربوا واصطلوا وقالوا : قد حمينا لأنا قد أوقدنا ناراً واصطلينا ، والذي بقي منه اتخذوه إلهاً منحوتاً وسجدوا له وصلوا وقالوا : نجّنا لأنك إلهنا .
ولم يخطر على بالهم فكر أن يقولوا : إنا قد أقدنا نصفه بالنار ، وخبزنا خبزنا وشوينا على جمره اللحم وأكلنا ، ولم يعلموا أن باقيه عمل منه صنم وسجدوا له ، لأن قلوبهم متمرغة في رماده ، وضلت عقولهم فلا يقدرون ينجون أنفسهم ولا يقولون :