كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 174
إن أيادينا عملت الباطل واتخذت الكذب ، ثم قال : أليس أنا الرب منذ أول ، وليس إله غيري ولا مخلص سواي ، ادنوا إليّ يا جميع الذين في أقطار الأرض لتنجوا لأني أنا الرب وليس إله غيري ، حلفت بيميني وأخرجت كلمة صدق ولست أرجع عنها لأنه لي تنحني كل ركبة ، وبي يحلف كل إنسان ويقول : إنما الرب بالرب ، وإليه تدنو الأعزاء ويخزى جميع المبغضين ، وبي يمتدح ويتبرر ، بمن شبهتموني ؟ وإلى من نسبتموني ؟ بالضالين الذين أخرجوا الذهب من أكياسهم ووزنوا الفضة بالميزان واكتروا الصناع حتى عملوا لهم آلهة يسجدون لها ويحملونها على أكتافهم ويمشون بها ثم يصلون لها ويدعونها لا تجيبهم ولا تخلصهم من شدائدهم ثم يحملونها أيضاً ويردونها إلى مواضعها ، اذكروا هذه الأشياء واعقلوا أيها الأثمة واخطروها على قلوبكم وتذكروا الأيام التي كانت نمن الابتداء ، إني أنا الله الخالق وليس إله غيري ولا مثلي ، فأنا أظهر العتيدات وأخبر بالذي يكون قبل أن يكون ، وأثبت رأيي وأكمل إراداتي وهواي ، وأدعوا من في المشارق فيأتون أسرع من الطير ، وأتاني الرجل الذي قد عمل مسرتي من الأرض البعيدة ، لأني أنا إذا تكملت بشيء فعلته .
أنا خلقت وأنا أخلق ؛ وفي الزبور في المزمور الثالث عشر بعد المائه : إلهنا في الأرض ، كل ما يشاء يصنع ، أوثان الأمم ذهب وفضة عمل أيدي البشر ، لها أفواه ولا تتكلم ، لها أعين ولا تنظر ، لها آذان ولا تسمع ، وآناف ولا تشم ، وأيد ولا تلمس ، وأرجل ولا تمشي ، ولا صوت بحناجرها ولا روح في أفواهها ، فليكن صانعوها مثلها وجميع من يتوكل عليها - انتهى ولما كان محصل أمرهم الإعراض عما أتاهم بالتكذيب والإقبال على ما لم يأتهم بالطلب والتعنت كالسؤال عن الساعة ، والأمر بالمنكر من الشرك وما يلزم منه من مساوي الأخلاق ، والنهي عن المعروف الذي هو التوحيد وما يتبعه من محاسن الشرع ، وذلك هو الجهل ، وختم ذلك بالإخبار بأنه سبحانه أصلح له الدين بالكتاب ، والدنيا بالحفظ من كل ما ينتاب ، وكان حالهم ربما كان موئسا من فلاحهم ، مفتراً عن دعائهم إلى صلاحهم ، كان الداعي لهم ( صلى الله عليه وسلم ) كأنه قال : فما أصبع في أمرهم ؟ فأجابه بالتحذير من مثل حالهم والأمر بضد قالهم وفعالهم والإبلاغ في الرفق بهم فقال : ( خذ العفو ) أي ما أتاك من الله والناس بلا جهد ومشقه ، وهذا المادة تدور على السهولة ، تارة تكون من الكثرة وتارة من القلة ، فعفا المال ، أي كثر ، فصار يسهل إخراجه ويسمح به لزيادته عن الحاجة ، وعفا المنزل ، أي درس ، فسهل أمره حتى صار لا يلتفت إليه .
ولما أمره بذلك في نفسه ، أمره به في غيره فقال : ؛ ) وأمره بالعرف ) أي بكل ما عرفة الشرع وأجازه ، فإنه من العفو سهولة وشرفاً ، وقد تضمن ذلك النهي عن المنكر