كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 175
فأغنى بذلك عن ذكره لأن السياق للمساهلة ؛ ولما أمره بالفعل في نفسه وغيره ، أتبعه الترك فقال : ( وأعرض عن الجاهلين ) أي فلان تكافئهم بخفتهم وسفههم ولا تمارهم فإن ذلك أسهل من غيره ، وذلك بعد فضيحتهم بالدعاء ، بذلك - لأن محط حالهم اتباع الهوى فيدعوهم إلى تكلف ضد هذه الخصال ، وفيه إشارة إلى النهي عن يذهب نفسه عليهم حسرات مبالغة في الشفقة عليهم ، وعن جعفر الصادق أنه ليس في القرآن ىية أجمع لمكارم الأخلاق منها .
ولما كان الشيطان بعداوته لبني آدم مجتهداً في التنفير من هذه المحاسن والترغيب في أضدادها ، وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد نزع منه حظ الشيطان بطرح تلك العلقة السوداء من قبله إذ شق جبرائيل عليه السلام صدره وغسل قلبه وقال : هذا حظ الشيطان منك ؛ شرع لأمته ما يعصمهم منه عند نزعه مخاطباً له بذلك ليكون أدعى لهم إلى القبول وأجدر باشتداد الخوف المقتضي للفرار المثمر للنجاة ، لأنهم إذا علموا قصد الشيطان لمن نزع منه حظه وعصم من كل محنة علموا أنه لهم أشد قصداً وأعظم كيداً وصداً ، فقال مؤكداً بأنواع التأكيد إشارة إلى شدة قصد الشيطان للفتنة وإفراطه في ذلك ، ليبالغ في الحذر منه وإن كان بذلك في محل الإنكار لعلمه لعلمه بالعصمة - لذلك عبر بأداة الشك إشارة إلى صعف كيده للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، لأن الله تعالى أعانه على قرينه فأسلم : ( وإما ) أي أن ، وأكدت ب ) ما ( إثباتاً للمعنى ونفياً لضده ) ينزغنك ) أي ينخسنك نخساً عظيماً ) من الشيطان نزغ ) أي نخس بوسوسته من شأنه أن يزعج فيسوق إلى خلاف ما تقدم من المحاسن في نحو غضب من جهل الجاهل وسفه السفينه أو إفراط في بع ض أوجه كما تساق الدابة بما تنخس به ، فيفسر ويجعل النخس ناخساً إشارة إلى شدته ) فاستعد ) أي فأوجد أو اطلب العوذ وهو الاعتصام ) بالله ) أي الذي له جميع العز والعظمة والقدرة والقهر لا نقطاعك عن الإخوان والأنصار إليه فلا ولي لك ولا ناصر إلا هو ، فإنه إذا أراد إعاذتك ذكرك من عزيز نعمه وشديد نقمة ما يريد عن الفساد رغباً ورهباً ، والآية ناظرة إلى قوله تعالى أولها
77 ( ) لأقعدن لهم صراطك المستقيم ( ) 7
[ الأعراف : 16 ] ولما أبطل تعالىأن يكون لشركائهم سمع أو علم ، صار إثبات ذلك له كافياً في اختصاصه به من غير حاجه إلى الحصر المتضمن لنفيه عن غير لتقدمه صريحاً بخلاف ما في فصلت ، فقال معللاً : ( إنه سميع ) أي بالغ السمع فهو يسمع استعاذتك فيجيبك إن شاء ) عليم ( شامل العلم بما تريد ويريد منك عدوك ، فلا يعجزه شيء ، وختم بصفة العلم في الموضعين لأن الوسوسة من باب ما يعلم ، وختمها في سورة المؤمن بالبصير المشتق من البصر والبصيرة ، لأن المستعاذ منه أمر الناس ومنه ما يبصر

الصفحة 175