كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 178
ولما كان من لا ينتفع بالشيء يصح أن ينفي عن الشيء النافع النفع بالنسبة إليه ، قال : ( لقوم يؤمنون ) أي يوجدون هذه الحقيقة ويستمرون على تجديدها في كل وقت ، وأما غيرهم فقد يكون عليهم عذاباً .
ولما عظم الله شأن القرآن ، فكان التقدير : فآمنوا به تفلحوا ، عطف عليه قوله : ( وإذا قريء القرآن ) أي وهو هذا الذي يوحي إليّ ، فتأدبوا وتواضعوا لأنه صفة ربكم ) فاستمعوا له ) أي ألقوا إليه أسماعكم مجتهدين في عدم شاغل يشغلكم عن السمع ولما كان بعض الفهاء يسمع وهو يتكلم ، أشار إلى أن الكتاب أعلى قدراً من أن يناله من يشتغل عنه بأدنى شغل فقال : ( وأنصتوا ) أي للتأمل والتدبر لتنجلي قلوبكم فتعلموا حقيقة فتعلموا بما فيه ولا يكون في صدوركم حرج منه ؛ ولما كان ظاهر الآية وجوب الإنصات لكل قارئ على كل أحد ، رغب فيه تعظيماً لشأنه فقال : ( لعلكم ترحمون ) أي لتكون على رجاء من أن يكرمكم ربكم ويفعل بكم كل ما يفعله الراحم مع المرحوم ولما تقدم الأمر بالذكر عند نزغ الشيطان ، ومر إلى أن أمر بالاستماع لأعظم الذكر ، وكان التالي ربما بالغ في الجهر ليكثر سامعه ، وربما أسر لئلا يوجب على غيره الإصغاء ، علمهم أدب القراءة ، وأطلق ذلك في كل حال لأنه ر بما فهم فاهم الاقتصار على ذكر في حالة النزغ ، ورقي الخطاب منهم إلى إمامهم ليكون أدعى لقبولهم مع الإشارة إلى أنه لا يكاد يقوم بهذا الأمر حق قيامه غيره ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( واذكر ) أي بكل ذكر من القرآن وغيره - ) ربك ) أي الذي بلغ الغاية في الإحسان إليك ) في نفسك ) أي ذكراً يكون راسخاً فيك مظروفاً لك لفهمك لمعانية وتخلفك بما فيه ، وليكن سراً لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص واعون على التفكير ، وكونه سراً دال على أشرف الأحوال ، وهو المراقبة مع تحقق القرب ، فإذا كان كذلك أثمر قوله : ( تضرعاً ) أي حال كونك ذا والعلن وبهذا يكمل ذل العبودية لعز الربوبية .
ولما أمر بالسر ، قال مقابلاً له : ( ودون الجهر ) أي لأنه أدخل في الإخلاص ، ومن المعلوم انه فوق السر ، وإلا لم تفد الدجملة شيئاً ، ولما كان قد يكون في الأفعال ، أكده بقوله : ( من القول ) أي فأن ذلك يشعر بالتذلل والخضوع من غير صباح كما يناجي الملوك ويستجلب منهم الرغائب ، وكما قال ( صلى الله عليه وسلم ) للصحابة وقد جهروا بالدعاء