كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 179
فوق المقدار ( إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ) فإن المقصود حصول الذكر اللساني ليعين الذكر القلبي ، والمقصود حاصل بإسماع النفس فإنه يتأثر الخيال فيتقوى الذكر القلبي ، ولا تزال الأنوار تتزايد فينعكس تراجع بعضها إلى بعض حتى يزداد الترقي من ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام ولما أمر بالذكر مكيفاً بكيفية اللائقة به ، أمره ( صلى الله عليه وسلم ) بالمداومة عليه ذاكراً أحسن الأوقات له وأحقها به ، لكونها لما فيها من الشغل - أدل على إيثارة لمزيد المحبة والتعظيم فقال : ( بالغدو ) أي أوقات البكر ، ولعله أفرده علىجعله مصدر غداً ، لأنه ما ثم إلا وقيل : الغدو وجمع غدوة ، فيراد حينئذ مع الصبح الضحى ، وآخر كل نهار متصل بأول ليلة اليوم الثاني فسمي آخر اليوم اصيلاً لأنه يتصل بما هو أصل اليوم الثاني ، وخص هذين الوقتين وإن كان المراد الدوام بتسمية كل من اليوم والليل باسم جزئه ، ليذكر بالغدو الانتشار من الموت ، وبالأصل السكون بالموت والرجوع إلى حال العدم فيستحضر بذلك جلال الله عز وجل فيكون ذلك حاوياً على تعظيمه حق تعظيمه .
ولما كان ربما أوهم هذا الخصوص بهذين الوقتين وإن ظاهراً في الدوام ، قال مصرحاً : ( ولا تكن من الغافلين ) أي في غيرهما ، بل كن ذاكره في كل وقت على كل حال ؛ ثم علل الأمر بالمراقبة الدالة على أعظم الخضوع بأنها وظيفة المقربين فقال : ( إن الذين ( وزاد ترغيباً في ذلك بقوله : ( عند ربك ) أي المحسن إليك بتقريبك من جنابه وجعلك أكرم احبابه ، وهم الملائكة الكرام أولو العصمة ، والقرب دنو مكانة لا مكان ) لا يستكبرون ) أي لا يوجدون ولا يطلبون الكبر ) عن عبادته ) أي الخضوع له التلبس بانحاء التذلل مع مزيد قربهم وغاية طهارتهم وحبهم ) ويسبحونه ) أي ينزهونه عن كل مالا يليق خلوصهم عن دواعي الشهوات والخظوظ .
ولما كان هذا يرجع إلى المعارف ، وقدمه دلالة على أنه الأصل في العبادة أعمال القلوب ، أردفه بقوله : ( وله ) أي وحده ) يسجدون ) أي يخضعون بإثباتهم له كل كمال ، وبالمباشرة لمحاسن الأعمال ، وقد تضمنت الآية الإخبار عن الملائكة الأبرار بثلاثة أخبار : عدم الاستكبار الذي هو أجل أنواع العبادة إذ هو الحامل على الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية ، والتسبيح الذي هو التنزيه عن كل مالا يليق ، وتخصيصه

الصفحة 179