كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 183
تتمات لما تقدم لا بد منها وتتمات للتتمات حتى كان آخر ذلك مدح من أهلهم لعنديته سبحانه بالإذعان وتمام الخضوع ، فلما أضيفوا إلى تلك الحضرة العالية ، اقتضى ذلك سؤالاً عن حال الذين عند المخاطب ( صلى الله عليه وسلم ) فأجيب بقوله تعالى : ( يسألونك ) أي الذين عند ربك هم الذين هزموا الكفار في الحقيقة كما علمتم ذلك - وسيأتي بيانه ، فهم المستحقون للأنفال وليس لهم إليها التفات وإنما همهم العبادة ، والذين عندك إنما جعلنهم آلة ظاهرة ومع ذلك فهم يسألون ) عن الأنفال ( التي توليتهم إياها بأيدي جنودي سؤال منازعة ينبغي الاستعادة بالله منها - كما نبه عليه آخر الأعراف - لأن ذلك يفضي إلى افتراق الكلمة والضعف عن مقاومة الأعداد ، وهو جمع نفل - بالتحريك ، وهو ما يعطاه الغازي زيادة على سهمه ، والمراد بها هنا الغنيمة ، وهي المال المأخوذ من أهل الحرب قهراً ، سميت هنا بذلك لأن اصلها في اللغة الزيادة ، وقد فضل المسلمون بها على سائر الأمم ولما كان السؤال عن حكمها ، كا كأنه قيل : فماذا يفعل ؟ فقال دالاً على انهم سألوا عن مصرفها وحكمها - ليطابق الجواب السؤال : ( قل ) أي لهم في جواب سؤالهم ) الأنفال لله ) أي الذي ليس النصر غلا من عنده لما له من صفات الكمال ) الرسول ) أي الذي كان جازماً بأمر الله مسلماً لقضائه ماضياً فيما أرسله به غير متخوف من مخالطة الردى بموافقة العدى ؛ قال أبو حيان : ولا خلاف أن الآية نزلت في يو بدر وغنائمه ، وقال ابن زيد : لا نسخ ، إنما أخبر أن الغنائم لله من حيث إنها ملكه ورزقه ، وللرسول عليه السلام من حيث إنها ملكه ورزقه ، وللرسول عليه السلام من حيث هو مبين لحكم الله والصادع فيها بأمره ليقع التسليم من الناس ، وحكم القسمة نازل خلال ذلك - انتهى .
ولما أخبر سبحانه أنه لا شيء لهم فيها إلا عن أمر الله ورسوله ، وكان ذلك موحباً لتوقفهم إلى بروز امره سبحانه على لسانه رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكانت التقوى موجبة للوقوف خوفاً حتى يأتي الدليل الذي يجسّر على المشي وراءه ، سبب عن ذلك قوله : ( فاتقوا الله ( اي خافوا خوفاً عظيماً في جميع أحوالكم من الذي لا عظمة لغيره ولا أمر لسواه ، فلا تطلبون شيئاً بغير أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا تتخاصموا ، فإن الله تعالى الذي رحمكم بإرسال رسول لنجاتكم وغنزال كتاب لعصمتكمغير مهمل ما يصلحكم ، فهو يعطيكم ما سبق في علمه الحكم بأنه لكم ، ويمنعكم ما ليس لكم ) وأصلحوا ذات بينكم ) أي الحال التي هي صاحبة افتراقكم واجتماعكم ، فإن أغلب امرها البين الذي هو القطيعة ، وقد أشرفت على الفساد بطلب كل فريق الأثرة على صاحبة فأقبلوا على رعايتها بالتسليم لأمر الله ورسوله الأمرين بالإعراض عن الدنيا ليقسمها بينكم على سواء ، القوي

الصفحة 183