كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 184
والضعيف سواء ، فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ، لتجتمع كلمتم فيشتد أمركم ويقوى أزركم فتقدروا على إقامة الدين وقمعالمفسدين ) واطيعوا الله ) أي الذي له جميع العظمة ) ورسوله ) أي الذي عظمته من عظمته في كل ما يأمرانكم به من تنتقل لمن يراه وإنفاذ شرط ووفاء عهد لمن عاهده .
ولما أمر ونهى هيج وألهب فقال مبيناً كون الإيمان مستلزماً للطاعة : ( إن كنتم مؤمنين ) أي صادقين في دعوى الإيمان ، فليس كل من يدعي شيئاً يكون صادقاً في دعواه حتى يحصل البيان بالامتحان ، ولذلك وصل به قوله مؤكداً غاية التأكد لأن التخلص من الأعراض الدنيوية عسر : ( إنما المؤمنون ) أي الراسخون في وصف الإيمان ) الذين ( اي يقيمون الدليل على دعوى الإيمان بتصديق أفعالهم لأقوالهم فيكونون ) إذا ذكرالله ) أي الجامع لصفات الكمال من الحجلال والجمال مجرد ذكر في نحو قوله ) الأنفال لله ( ) وجلت ) أي خافت خوفاً عظيماً يتخلل صميم عظامهم ويجول في سائر معانيهم وأجسامهم ) قلوبهم اي بمجرد ذكره استعظاماً له ) وإذا تليت ) أي قرئت على سبيل الموالادة والاتصال من ايّ تال كان ) عليهم آياته ) أي كما يأتي في غقامة الأدلة على ذلك الحكم الذي ورد ذكره فيه ) زادتهم إيماناً ( اي بإيمانهم بها وبما حصل لهم من نور القلب وطمأنينة اليقين بسببها ، فإنها هي الدالة على الله بما تبين من عظيم أفعاله ونعوت جلاله وجماله ، وتظاهر الأدلة اقوى للمدلول عليه ، كمال قدرة الله تعالى إنما يعرف بواسطة آثار حكمته في مخلوقاته ، وذلك بحر لا ساحل له ، ولما كانت المراتب لا نهاية لها ، كانت مراتب التجلي والمعرفة لا نهاية لها ، فالزيادة في أشخاص التصديق ) وعلى ) أي والحال أنهم على ) ربهم ) أي الدائم الإحسان إليهم وحده ) يتوكلون ) أي يجددون إسناد أمورهم إليه مهما وسوس لهم الشيطان بالفقرة أو غيره ليكفيهم من حيث لا يحتسبون ، فغن خزائنه واسعة ، ويده سحاء الليل والنهار ، كما انهم لما توكلوا عليه في القتال نصرهم وقد كانوا في غاية الخوف من الخذلان ، وكان حالهم جديراً بذلك لقلقهم وخوفهم وقتلهم وضعفهم .
ولما وصفهم بالإيمان الحامل على الطاعة والتوكل الجامع لهم الدافع للمانع منها ، منتقلاً من عمل الباطن إلى عمل الظاهر مبيناً ان همتهم إنما هي العبادة والمكارم : ( الذين يقيمون الصلاة ) أي يفترون عن تجديد ذلك ؛ ولما كانت صلة بين الخلق والخالق ، أتبعها الوصلة بين الخلائق فقال : ( ومما رزقناهم ) أي على عظمتنا وهو لنا دونهم ) ينفقون ( ولو كانوا مقلين اعتماداً على ما عندنا فالإنفاق وإهانة الدنيا همتهم ، لا الحرص عليها ، فحيمئذ يكونون كالذين عند ربك في التحلي بالعبادة والتخلي

الصفحة 184