كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 198
ولما ثبت بما مضى أن له تعالى الأفعال العظيمة والبطشات الجسمية .
ودلت أقوال من قال من المؤمنين : إنا لم نتأهت للقاء ذات الشوكة ، على ضعف العزائم ؛ ختم الآية بقوله : ( إن الله ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ) سميع ) أي لأقوالكم من الاستعانة في المعونة على النصرة وغيرها ) عليم ) أي بعزائمكم وإن لم تتكلموا بها ، فهو يجازي المؤمن على حسب إيمانه والكافر على ما يبدي ويخفي من كفرانه ، الأمر ) ذلكم ( العظيم الشأن البعيد المتناول الذي أمركم فيه بأوامره ونهاكم به عن مناهيه وأبلاكم فيه البلاء الحسن ، وأراكم بأعينكم توهينه لهذه الطائفة التي قصدتكم وأنتم عندها أكلة جزور وعصفور بين يدي صقور ، وبين لكم من علل ذلك وعجائب مقدوره مالم يبق معه عذر لمؤمن ، فألزمور طاعته وسابقوا في طاعة رسوله ولا تنظروا في عاقبة شيء مما يأمر به ، فإنه ما ينطق عن الهوى بل إنما يأمر عنا ، ونحن لم نأمر بشيء إلا بعد تدبيره على أحكم الوجوه وأتقنها ) وأنَّ ) أي والأمر أيضاً أن ) الله ) أي الحاوي لجميع صفات العز والعظمة ) موهن ( اي مضعف إضعافاً شديداً ثابتاً دائماً ابداً ) كيد الكافرون ( اي الراسخين في الكفر جميعهم ، فلا تهنوا في ابتغاء القوم وإن نالكم قرح فإنا نجعله لكم تطهيراً وللكافرين تدميراً والعاقبة للتقوى ، فنطلعكم على عوراتهم ونلقي الرعب في قلوبهم ونفرق كلمتهم وننقص ما أبرموا ولما تضمن ذلك إيقاع الإهانة بالكفار بهذه الوقعة ، والوعد بإلزامهم الإهانة فيما يأتي ، كان ذلك مفصلاً للالتفات إلى تهديدهم في قالب استجلائهم والاستهزاء بهم وتفخيم أمر المؤمنين فقال : ( إن تستفتحوا ) أي تسأولوا الفتح أيها الكفار بعد هذا اليوم كما استفتحتم في هذه الحزبين في هذه الوقعة عند أخذكم استار الكعبة وقت خروجكم بقولكم : اللهم انصر أهدى الحزبين ، وأكرم الجندين ، وأعلى الفئتين ، وأفضل الدينين ، ووقت ترائي الجمعين ؛ بقول أبي جهل : اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعلم فأحنه الغداة ؛ أتاكم الفتح كما أتاكم في هذا اليوم ) فقد جاءكم ( اي في هذا اليوم بنصر المؤمنين ) الفتح ( اي الذي استفتحتم له لأنهمك الفئتين وأكرم الطائفتين ) وإن تنتهوا ) أي بعد هذا عن مثل هذه الأقوال والأفعال المتضمنه للشك أو العناد ) فهو خير لكم ( وقد رأيتم دلائل ذلك ) وإن تعودوا ) أي إلى المغالبة لأنكم لم تنتهوا ) نعد ) أي إلى خذلانكم ) ولن تغني عنكم ) أي أبداً ) فئتكم ( اي جماعتكم التي ترجعون إليها للاعتزاز بها ) شيئاً ) أي من الإغناء ) ولو كثرت ( لأن الله على الكافرين ) وأنَّ الله ( اي الملك الأعظم ) مع المؤمنين ) أي الراسخين في الإيمان ، ولعله عبر المستقبل في الشرط والماضي في الجزاء إشارة إلى أنكم استفتحتم في بدر وجاءكم من الفتح ما رأيتم ، فإن

الصفحة 198