كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 231
ولما كان كأنه قيل : فما له يمهلهم ولا يعالجهم بالأخذ قبل النكاية في أوليائه وأهل وده وأصفيائه ؟ قال : ( ذلك ) أي الأخذ على هذه الحالة ) بأن الله ) أي بسبب أنهم غيروا ما في أنفسهم ، وقد كان له سبحانه أن ياخذهم قبل أن يغيروا لعلمه بما في ضمائرهم الكمال بأنه ) لم يك ( هكذا كان الأصل ، ولكن حذف اختصار تقريباً لبيان تعميم العلة وإبعاد للسامع من مثل ذلك ، وحذف نون ( يكن ) إرشاد إلى قلت أو جلت ، عظيم المنفعة ، لأن من خالفها جدير بتعجيل الانتقام ) مغيراً نعمة ) أي قلت أو جلت ، وبين أنه لا نعمة على أحد إلا منه فقال : ( أنعمها على قوم ) أي من أيّ طائفة كانوا ) حتى يغيروا ) أي يبدلوا ) ما ( يعتقدونه ) مغيراً نعمه ) أي قلت أو جلت ، حفي عنهم ، يظنون اتصافهم بضده مما هو ظاهر لهم اتصافاً غريزياً ) وأنّ ) أي وبسبب أن ) الله ) أي الذي له الكمال كله ) سميع ) أي لما يكذبون به الرسل ولأقوالهم : إن ما يظهرون وصفهم الحقيقي ) عليم ) أي بما تكّن ضمائرهم من غيره وإن جهلوه هم فيبتليهم ببلاء يظهر به ذلك المكنون ويبرز به كل سر مصون ، فإذا تعلق به العلم ظاهراً علق به الحكم قاهراً لتمام قيام الحجة ، ولتمام علمه بحالهم أمهلهم ، وإنما يستعجل من يخاف ان تخيب فراسته أو يتغير علمه ، وأما الذي علمه بالظواهر والضمائر على حد سواء فالحالتان عنده سيان ، فهو يمهل لإتمام الحكمة ولا يهمل من استحق النقمة ، وذلك التغيير الذي اظهره البلاء هو التكذيب بالحق عناداً والبعد عما كانوا يدعونه من العدل والمشي على مهاهيج العقل والاستحياء من العناد ، والتنزه من طرق الفساد ، هكذا كانت كل أمة أرسلت إليها الرسل تدعي وما عندهامن خلاف ذلك مستور في ضمائرها مكنون في سرائرها ، لا تعلمه كما تشاهد أكثر من تعاشره ، يظن في نفسه ما ليس فيها ، وعند الامتحان يكذبه العيان ، فلما جاءتهم الرسل وأوضحوا لهم الأمر إيضاحاً ليس معه ، لبس فكذبوهم ، غيروا ما كان في نفوسهم مما كانوا يزعمون ؛ ثم كرر قوله : ( كدأب آل فرعون ) أي فرعون وقومه فإنهم اتباعه فلا يخيل انهم يفعلون شيئاً إلا وهو قائدهم فيه ) والذين من قبلهم ( - لدقيقة ، وهي أنه قدم تقدم أنه ما من أمة إلا ابتليت بالضراء والسراء ، فالأولى ينظر إليها مقام الإلهية الناظر إلى العظمة والكبرياء والقهر والانتقام ، والثانية ثمرة مقام البربوبية الناشئ عنه التودد والرحمة والرأفه والإكرام ، لذا عبر في الأولى باسم الذات الجامع لجميع الصفات الذي لفظه - عند من يقول باشتقاقه - موضع لمعنى الإلهية إشارة إلى أنهم أعرضوا في حال الضراء عن التصديق وعاملوا بالتجلد