كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 266
الظاهر للمعاهدين وفي الباطن مشيرة إلى أهل الردة وأن لا يقبل منهم إيمان ما لم يجمعوا بين الصلاة والزكاة كما فهم أبو بكر رضي الله عنه ، وأقيمت على ذلك قرائن منها تكرير الجمع بين الصلاة والزكاة في سياق الإيمان تكريراً لم يكن في غيرها من السور ، فهي من أعلام النبوة ؛ وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم القاضي البستي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن هذا الإسلام ثلاثون سهماً : عشر منها في براءة ، وعشر في الأحزاب ، وعشر في المؤمنين وسأل سائل ولما أعلمهم سبحانه بأنه رد إليهم عهدهم ، وكانوا مختلطين مع أهل الإسلام ، جعل لهم مخلصاً إن آثروا البقاء على الشرك مع إعلامهم بأنه لا خلاص لهم لأنهم في قبضته ، فقال مخاطباً لهم ولكل مشرك مسبباً عن البراءة : ( فسيحوا ( والسياحة : الاتساع في السير ةالبعد عن المدن والعمارة مع الإقلال من الطعام ، والشراب ، ولذلك يقال للصائم : سائح : والمراد هنا مطلق السير ولما كانت السياحة تطلق على غيره ، حقق المعنى بقوله : ( في الأرض ( اي في ايّ جهة شئتم ) أربعة أشهر ) أي من أيام الحج ، فيكون آخرها عاشر شهر ربيع الآخر ، تأمنون فيها امناً لا نعرض لكم بسوء ، بل تذهبون فيها حيث شئتم ، أو ترمون حصونكم وتهيئون سلاحكم وتلمون شعثكم لا نغدركم ، لأنديننا مبني على المحاسن ، ولولا أن الأمر يتعلق بنفوسنا ما نبذل عهدكم ولا نقضنا عقدكم ، ولكن الخطر في النفس وقد ظهرت منكم أمارات الغدر ولوائح الشر ( وعن أيّ بعد نفسي اقاتل ) فإذا نقضت الأربعة الشهر فتهيؤوا لقتالنا وتدرعوا لنزالنا ولما كان الإسلام قد ظهر بعد أن كان خفياً ، وقوي بعد أن كان ضعيفاً ، افتتح وعظهم بالكلمة التي تقال اولاً لمن يراد تقريع سمعه وإيقاض قلبه وتنبيهه على أن ما بعدها أمر مهم ينبغي مزيد الاعتناء به فقال : ( واعلموا أنكم ) أي أيها الكفرة وإن كثرتم ) غير معجزي الله ( لأن علمه محيط بكل شيء فهو قادر على كل ممكن ) وأن الله ( اي لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام ) مخزي الكافرين ) أي كلهم منكم ومنوغيركم في الدنيا والآخرة لأن قوله قد سبق بذلك ، ولا يبدل القول لديه ، والإخزاء : الإذلال مع إظهار الفضيحة والعار - وأظهر الوصف موضع الضمير تعميماً وتعليقاً للحكم به ؛ ولعل الالفات إلى الخطاب إشارة إلى أن من ترك أمر الله حدباً على قريب أو عشير فهو منهم ، وقد برئت منه الذم " ، فلينج بنفسه ولا نجاء له ، أو يكون لا ستعطاف الكفار تلذيذ الخطاب وترهيبهم بزواخر العقاب .

الصفحة 266