كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 273
ولما كان استفهام الإنكار في معنى النفي ، صح الاستثناء منه ، فكأنه قيل : لا يكون للمشركين عهد ) إلا الذين عاهدتم ) أي منهم كما تقدم ) عند المسجد الحرام ) أي الحرم يوم الحدبية ، وهذا مما يدل على أن الاستثناء المتقدم من ) الذين ( في قوله ) براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ( ؛ قال البغوي ؛ قال السدي والكلبي وابن اسحاق : هم من قبائل بكر : بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الديل وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية ، فلم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض ، ولما استثنى ، بين حكم المستثني فقال : ( فما استقاموالكم ) أي ركبوا الطريق الأقوام في الوفاء بعهدهم ) فاستقيموا لهم ( والقول في ) إن الله ) أي المحيط بالجلال والجمال ) يحب المتقين ( كما سبق .
ولما انكر سبحانه ان يكون للمشركين غير المستثنين عهد ، بين السبب الموجب للانكار مكرراً أداة الإنكار تأكيداً للمعنى فقال : ( كيف ) أي يكون لهم عهد ثابت ) وإن ) أي والحال أنهم مضمرون لكم الغدر والخيانة فهم إن ) يظهروا عليكم ) أي ان يعل أمر لهم على أمركم بان يظفروا بكم بعد العهد والميثاق ) لا يرقبوا ) أي لا ينظروا ويرعوا ) فيكم ) أي في أذانكم بكل جليل وحقير ) إلاّ ) أي قرابة محققة ) ولا ذمة ) أي عهداً ، يعني أن الأمر المبيح للنبذ خوف الخيانة ، وعلام الغيوب يخبركم أنهم في غاية الخيانة لكم ، والإل هذا : القرابة - وهو قول ابن عباس ، والمادة تدور على الألة وهي حربة في نصلها عرض ، ويلزمها الصفاء والرقة والبريق ، ويشبه به الإسراع في العدو ، والثبات في نفسها ، ومنه القرابة والعهد والتغير في وصفها ، ومنه تغير رائحة الإناء وفساد الأسنان والصوت ، ومنه الأنين والجؤار في الدعاء مع البكاء وخرير الماء والطعن والقهر - ومنه : إن هذا - أي كلام مسيلمة - ما يخرخ من إل ، أي من ربوبية ، وفي إل الله ، أي قدرته وإلهيته .
ولما كان ذلك مظنة لأن يقال : قد أكدوا لنا الأيمان وأوثقوا العهود ، ولم يدعوا باباً من ابواب الاستعطاف ، قال معللاً لما مضى مجيباً لمن استبعده : ( يرضونكم ( وعبر باقصى ما يمكن الكلام به من القلوب تحقيقاً لأنهم ليس في قلوبهم شيء منه فقال : ( بافواههم ) أي بذلك التأكيد ، وصرح بالمقصود بقوله : ( وتابى قلوبهم ) أي العمل بما ابدته ألسنتهم ، وقليل منهم من يحمله الخوف ونحوه على الثبات أو يرجع عن الفسق ويؤمن ) وأكثرهم فاسقون ) أي راسخوا الأقدام في الفسق خارجون - لمخالفة الفعل للقول - عما تريدونه ، وإذا نقض الأكثر الأقل إلى موافقتهم .

الصفحة 273