كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 279
ولما ذكرهم بالخيانة عامة وخاصة ، أتبعها ما حققها بالقتال فقال : ( وهم بدؤوكم ( اي بتطابق من ضمائرهم وظواهرهم ) أول مرة ( اي بالقتال والصد في الحديبية بعد إخباركم إياهم بأنكم لم تجيئوا للقتال وأنكم ما جئتم إلا زواراً للبيت الحرام الذي الناس فيه سواء وأنتماحق به منهم ، وذلك أول بالنسبة إلى هذا الثاني مثل قوله ) أنكم رضيتم بالعقود أول مرة ( وقال بعض المفسرين : المراد بأول مرة قتالهم خزاعة ، وهو واضح لأنه بعد عقد الصلح ، وقيل : في بدر بعد ما سلمت عيرهم وقالوا : لا نرجع حتى نستأصل محمداً واصحابه ، وقيل : المراد به مطلق القتال لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) جاءهم بالكتاب المنير ودعاهم بغاية اللين ، وتحداهم به عند التكذيب ، فعدلوا عن ذلك إلى القتال فهم البادئ أظلم .
ولما أمرهم بالقتال وكان مكرهاً إلى النفوس على كل حال .
شرع يبين الأسباب الحاملة على التواني عن قتالهم ، وحصرها في في الخشية والعاطفة ، وقسم العاطفة إلى ما سببه القرب في محاسن الأفعال وإلى ما سببه القرب في النسب والصهر ، ونقض الكل وبين أنه لا شيء منها يصلح للسببية ، فقال بادئاً بالخشية لأنها السبب الأعظم في ترك المصادمة منكراً عليهم موبخاً لهم ليكون أبلغ في الحث على قتالهم منبهاً على أن التواني عنهم مصحح للوصف بالجبن ورقة الدين : ( أتخشونهم ) أي أتخافون أن يظفرون بكم في القتال بان يكونوا على باطلهم أشد منكم على حقكم ) فالله ) أي الذي له مجامع العظمة ) أحق ) أي منهم ) ان تخشوة ) أي بأن يكون مخشياً لكم لما تعلمون من قدرته في أخذه لمن خالفه ولو بعد طول الأناة ) إن كنتم مؤمنين ) أي فإن من صدق بانه الواحد الذي تفرد بصفات العظمة لم ينظر إلى غير هيبته ولما بكت في التواني عنهم ، وعدهم بما يزيل خشيتهم منهم ، بل يوجب إقدامهم عليهم ورغبتهم فيهم ، فقال مصرحاً فيهم ، فقال مصرحاً بما تضمنه الاستفهام الإنكاري في ) ألاتقاتلون ( من الأمر : ( قاتلوهم ) أي الله لا لغرض غيره ) يعذبهم الله ) أي الذي أنتم مؤمنون بانه المتفرد بصفات الجلال والجمال ) بأيديكم ) أي بأن تقتلوهم وتأسروهم وتهزموهم ) ويخزهم ( اي بالذل في الدنيا والفضيحة والعذاب في الأخرى .
ولما كان ذلك قولاً لا يقتضي النصر الذي هو علو العاقبة قال : ( وينصركم عليهم ( اي فترضوا ربكم بذلك لإذلالة من يعاديه بكم ؛ ولما كان نكالهم بما بعد ثباته على لبعض المؤمنين سروراً لهم فيه حظ ، بين تعالى أنه لا يؤثر في العمل بعد ثباته على أساس افخلاص فقال : ( ويشف ) أي بذلك ) صدور قوم مؤمنين ( اي راسخين في