كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 292
77 ( ) وأولو الأرحام بعضهم أولى بعض ( ) 7
[ الأنفال : 75 ] - الآية الوالية لبيان المؤمنين حقاً وإشارة إلى أنه يضلهم ولا يهديهم لما تقدم من الخبر بأنه لا يهدي الظالمين .
ولما كانت الأنفس مختلفةالهمم متباينة السجايا والشيم ، كان هذا غير كافٍ في التهديد لكلها ، فأتبعه تهديداً أشد منه بالنسبة إلى تلك النفوس فقال متنقلاً من أسلوب الإقبال إلى مقام الإعراض المؤذن بزواجر الغضب : ( قل ) أي يا أعظم الخلق شفقة ورفقاً ونصيحة لمن لم يُزعمه ما تقدم من الزواجر أنه يجب تحمل جميع هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سالماً ولا ينثلم ) إن كان آباؤكم ) أي الذين أنتم أشد شيء توقيراً لهم ) وأبناؤكم ) أي الذين هم اعز الناس لديكم وأحبهم إليكم ) وإخوانكم ( اي الذين هم من اصولكم فهم كأنفسكم ) وأزواجكم ) أي اللاتي هن سكن لكم ) وعشيرتكم ) أي التي بها الراحة وقيام العز والمنعة وهم أهل الإنسان الأدنون الذين يعاشرونه .
ولما تقدم سبحانه ما هو مقدم على المال عند أولي الهمم العوال قال : ( وأموال اقترفتموها ) أي اكتسبتموها بالمعالجة من الأسفار وغيرها لمعاشكم ) وتجارة تخشون كسادها ) أي لفوات أوقات نفاقها بسبب اشتغالكم بما ندب الله سبحانه إليه فيفوت - على ما تتوهمون - ما به قوامكم ) ومساكن ترضونها ) أي لأنها مجمع لذلك كله ، ولقد رتبها سبحانه أحسن ترتيب ، فإن الأب أحب المذكورين لما هنا من شائبة النصرة ، وبعده الابن ثم الأخ ثم الزوج ثم العشير الجامع بالمسكن لأنه الغاية التي كل ما تقدم أسباب للاسترواح فيه والتجمل به ) أحب إليكم من الله ) أي الجامع لصفات الكمال الذي أنعم عليكم بجميع ماذكر ، ومتى شاء سلبكموه ) ورسوله ) أي الذي أتاكم بما به حفظ هذه النعم في الدارين ) وجهاد في سبيله ) أي الرد الشارد من عباده إليه وجمعهم عليه ، وفي قوله - : ( فتربصوا ) أي انتظروا متربيصين - تهديد بليغ ) حتى يأتي الله ) أي الذي له الإحاطة بكل شيء ) بأمره ) أي الذي لا تبلغه اوصافكم لا تحتمله قواكم. ولما كان من آثر حب شيء من ذلك على حبه تعالى ، كان مارقاً من دينه راجعاً إلى دين من آثره ، وكان التقدير : فيصيبكم بقارعة لا تطيقونها ولا تهتدون إلى دفعها بنوع حلية ، لأنكم اخترتم لأنفسكم منابذة الهداية ومعلوم أن من كان كذلك فهو مطبوع في الفسق ، عطف عليه قوله : ( والله ) أي الجامع لصفات الكمال ) لا يهدي القوم ( اي لايخلق الهداية في قلوب ) الفاسقين ( اي الذين استعملوا ما عندهم من قوة القيام فيما يريدون من الفساد حتى صار الفسق - وهو الخروج مما حقه لالمكث فيه و التقيد به وهو هنا الطاعة - خلقاً من أخلاقهم ولازماً من لوازمهم ، بل يكلمهم إلى نفوسهم فيسخروا الدنيا والآخرة .

الصفحة 292