كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 294
أنتم فيه لفرط الرعب ، فما ضاق في الحقيقة إلا ما كان من الآمال التي سكنت إلى الأموال والرجال ، ولعل عطفه - لتوليهم بأداة التراخي في قوله : ( ثم وليتم ) أي تولية كثيرة ظهوركم الكفار ، وحقق ذلك بقوله : ( مدبرين ) أي انهزاماً مع أن الفرار كان حين اللقاء لم يتأخر - إشارة إلى ما كان عندهم من استعباده اعتماداً على القوة والكثرة ) ثم أنزل الله ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ) سكينته ) أي رحمته ، وهي الأمر الذي يسكن القلوب عن أن تتأثر يدهمها من البلاء من الوثوق به سبحانه ومشاهدة جنابة الأقدس والغناء عن غيره .
ولما كان المقام للرسالة ، وكان تأييد مدعيها من أمارات صدقه في دعوى أنه رسول ، وأن مرسله قادر على ما يريد لا سيما إن كان تأييده على وجه خارق للعادة ، عبر به دون وصف النبوة فقال : ( على رسوله ) أي زيادة على ما كان به من السكينة التي لم يحز مثلها أحد ، ثبت بها الثلاثين ألفاً أو عشرين أو أربعة آلاف على اختلاف الروايات في عشرة أنفس أو مائة أو ثلاثمائة - على الاختلاف ايضاً ، لم يكن ثباتهم إلا به ، ثم لم يزده ذلك إلا تقدماً حتى أن كان العباس عمه وأبو سفيان بن الحارث ابن عمه رضي الله عنهما ليكفيان بغلته عن بعض التقدم ، ولعل العطف ب ( ثم ) إشارة إلى علو رتبة ذلك الثبات واستبعاد أن يقع مثله في مجاري العادات ) وعلى المؤمنين ) أي أما من كان منهم ثابتاً فزيادة على ما كان له من ذلك ، وأما غيره فأعطي ما لم يكن في ذلك الوقت له ، وذلك انه ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعمه العباس رضي الله بعدما فر الناس : ناد فيهم يا عباس فنادى وكان صيتاً : ياعباد الله يا اصحاب الشجرة يا أصحاب سورة البقرة فكروا عنقاً واحداً يقولون : لبيك لبيك ويحتمل أن يكون ذكر الرسول عليه السلام لمجرد التبرك كما في ذكر الله في قوله :
77 ( ) فإن الله خمسة ( ) 7
[ الأنفال : 41 ] وزيادة في تعظيم الامتنان به لأن النفوس إلى ما أعطى منه الرسول أميل والقلوب له اقبل لاعتقاد جلاله وعظمته وكماله ) وأنزل ) أي من السماء ) جنوداً لم تروها ) أي من الملائكة عليهم السلام ) وعذب ) أي بالقتل والأسر والهزيمة والسبي والنهب ) الذين كفروا ( عبر بالفعل لأن فيهم من آمن بعد ذلك .
ولما كان ما عذب به من اوجد مطلق هذا الوصف عظيماً ، اتبعه بيان جزاء العريق في ذلك ترهيباً لمن آثرحب شيء مما مضى على حب اله فقال : ( وذلك ) أي العذاب

الصفحة 294