كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 307
ولما تقدم كثير مما ينبني عى التاريخ : الحج في غير موضع والأشهر وإتمام عهد من له مدة إلى مدته والزكاة والجزية ، وختم ذلك بالكنز الذي لا يطلق شرعاً إلا على ما لم تؤد زكاته ، وكان مشركو العرب - الذين تقدم الأمر بالبراءة منهم والتأذين بهذه الآيات يوم الحج الأكبر فيهم - قد أحدثوا في الأشهر - بالنسيء الذي أمروا أن ينادوا في الحج بإبطاله - ما غير السنين عن موضوعها الذي وضعها الله عليه ، فضاهوا به فعل أهل الكتاببالتدين بتحليل أكابرهم وتحريمهم كما ضاهى أولئك قول أهل الشرك في النبوة والأبوة ، قال تعالى : ( إن عدة الشهور ( اي منتهى عدد الشهور السنة ) عند الله ) أي كلام الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ، وحكمه الذي هو مجمع الهدى ، فهو الحقيق بأن يكتب ، وليست الشهور الشهور ثلاثة عشر ولا أكثر كما كان يفعل من أمرتكم بالبراءة منهم كائنين منة كانوا في النسيء ) يوم ) أي كان ذلك وثبت يوم ) خلق السموات والأرض ) أي اللذين نشأ عنهما الزمان .
والمعنى أن الحكم بذلك كان قبل ان يخلق الزمان ) منها ) أي الشهور ) أربعة حرم ) أي بأعيانها لا بمجرد العدد ) ذلك ) أي الأمر العظيم والحكم العالي الرتبة في الإتقان خاصة ) الدين القيم ( اي الذيلا عوج فيه ولا مدخل للعباد ، وإنما هو بتقدير الله تعالى للقمر ؛ روى البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال - يعني في حجة الوادع : ( إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم : ثلاث تواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان ) .
ولما بين الأمر سبب عنه قوله : ( فلا تظلموا فيهن ( اي الأشهر الحرم ) أنفسكم ) أي بسبب إنساء بعضها وتحريم غيره مكانة لتوافقوا العدد - لا العين - اللازم عنه إخلال كل منها بإيقاع الظلم فيه وتحريم كل من غيرهل ، قال قتادة : العمل الصالح واالفاسد فيها اعظم منه في غيرها وإن كان ذلك في نفسه عظيماً فإن الله تعالىلعظم من أمره ما شاء ؛ وقال أبو حيان ما حاصله : إن العرب تعيد الضمير على جمع الكثرة كالواحدة المؤنثة فلذا قال : ( منها أربعة ) أي من الشهور ، وعلى جمع القلة لما لا يعقل بنون جمع المؤنث فلذا قال ) فلا تظلموا فيهن ) أي في الأربعة ولما كان إنساؤهم هو لتحل لهم المقاتلة على زعمهم قال : ( وقاتلوا