كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 323
وسطاً عدلاً مقارباً ) لا تبعوك ) أي لأجل رجاء العرض مع سهولة السفر لأن هممهم قاصرة ومنوطة بالحاضر ) ولكن ) أي لم يتبعوك تثاقلاً إلى الأرض ورضي بالفاني الحاضر من الباقي الغائب لأنها ) بعدت عليهم الشقة ) أي المسافة التي تطوى بذرع الأرجل بالمسير فيحصل بها النكال والمشقة فلم يواز ما يحصل لهم بها من التعب ما يرجونه من العرض ، فاستأذنوك ، وفي هذا إشارة إلى ذمهم بسفول الهمم ودناءة الشيم بالعجز والكسل والنهم والثقل ، وإلى أن هذا الدين متين لا يحمله إلا ماضي الهم صادق العزم كما قال الشاعر :
إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمه وأعرض عن ذكر العواقب جانبا
فلله در اولي العزائم والصبر على الشدائد والمغارم ولما ذمهم بالشح بالدنيا ، أتبعه وصمهم بالسماح بالدين فقا مخبراً عما سيكون منهم علماً من أعلام النبوة : ( وسيحلفون ) أي المختلفون باخبار محقق لا خلف فيه ) بالله ) أي الذي لا أعظم منه عند رجوعكم إليهم جمعاً إلى ما انتهكوا من حرمتك بالتخلف الذي يريدون به حياتها لأنهم كذبوا فيه فانتهكوا حرمة اسم الله ) والله ) أي والحال ان الملك الأعظم المحيط علماً وقدرة سبحانه ) يعلم إنهم لكاذبون ( فقد جمعوا بين إهلاك انفسهم والفضيحة عند الله بعلمه بكذبهم في انهم غير مستطيعين ، وجزاء الكاذب في مثل ذلك الغضب المؤيد الموجب للعذاب الدائم المخلد .
ولما بكتهمعلى وجه الإعراض لأجل التخلف والحلف عليه كاذباً ، اقبل إليه ( صلى الله عليه وسلم ) بالعتاب فبي لذيذ الخطاب على الاسترسال في اللين لهم والائتلاف وأخذ العفو وترك الخلاف إلى هذا الحد ، فقال مؤذناً بأنهم ما تخلفوا إلا بإذنه ( صلى الله عليه وسلم ) لأعذار ادعوها كاذبين فيها كما كذبوا في هذا الحلف ، مقدماً للدعاء على العتاب لشدة الاعتناء بشأنه واللطف به ( صلى الله عليه وسلم ) : ( عفا الله ) أي ذو الجلال والإكرام ) عنك ( وهذا كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن يقولوا : أصلح الله الأمير ، والملك - ونحو ذلك ولما كان من المعلوم أنه لا يأذن إلا لما يرى أنه يرضي الله من تألفهم ونحوه ، بين أنه سبحانه يرضى منه ترك الإذن فقال كناية عن ذلك : ( لم اذنت لهم ) أي في التخلف عنك تمسكاً بما تقدم من الأمر باللين لهم والصفح عنهم موافقاً لما جلبت عليه من محبة الرفق ، وهذا إنما كان في أول الأمر لخوف التنازع والفتنة ، وأما الآن فقد علا

الصفحة 323