كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 331
إحاطة الفتنة - التي اسقطوا انفسهم فيها - بهم ، وإنما قال : ( بالكافرين ( تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي حملهم على ذلك .
ولما كان كأنه قيل : ما الفتنة التي سقطوا فيها فاحاطت بهم جهنم بسببها ؟ قيل : ( إن ) أي هي كونهم أن ، ويجوز أن يكون علة لإحاطة جهنم بهم ، وكأنهم - لأجل أنهم من الأوس والخزرج فالأنصار إقاربههم - خصوا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بالعدواة وشديد الحنق ، وكذا ايضاً كان لا يسوءهم ويسرهم من الحسنة والسيئة إلا ما له وقع - بما اذن له التعبير بالإصابة دون المس - لا ما دونه ، حفظاً لقلوب أقاربهم ورعياً لأسرار نسائهم ، فقال إشارة إلى ذلك : ( تصبك ) أي بتقدير الله ذلك ) حسنة ) أي بنصر أو غيره ) تسؤهم ) أي لما في قلوبهم من الضغن والمرض ) قد اخذنا أمرنا ) أي عصينا الذي امرنا ولم نسلم قيادنا لأحد فنكون كالأعمه ، لأن الأمر الحادثة وضد النهي ، ومنه الأمير ، رجل إمرّ وإمرة - بتشديد الميم المفتوحة مع كسر الهمزة وتفتح : ضعف الرأي ، يوافق كل أحد على ما يريد من امره كله ، وهو الأعمه وزناً ومعنى ) من قبل ) أي قبل ان تكون هذه المصيبة ، فلم نكن مؤتمرين بأمر فيصيبنا بيد الآمر ، فلما عصوه كانوا كأنهم قد أخذوه منه .
ولما كان قولهم هذه بعيداً عن الاستقامة ، فكانجديراً بأن لا يقال ، وإن قيل كان حقيقاً بأن يستقال بالمباراة إلى الرجوع عنه والاستغفار منه ، اشار تعالى إلى تماديهم فيه فقال : ( ويتولوا ) أي عن مقامهم هذا الذي قالوا فيه ذلك وإن طال إلى أهاليهم ) وهم فرحون ) أي لمصيبتهم لكفرهم ولخلاصهم منها .
ولما كان قولهم هذا متضمناً لتوهم القدرة على الاحتراس من القدر ، قال تعالى معلماً بجوابهم مخاطباً للرأس لعلو المقام : ( قل ) أي إنا نحن لا نقول مقالتكم لمعرفتها بأنا لا نملك ضراً ولا نفعاً ، بل نقول : ( لن يصيبنا ( اي من الخير والشر ) إلا ما كتب ) أي قدر ) الله ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ، ولما كان قضاء الله كله خيراً للمؤمن إن اصابته سراء شكر وإن اصابته ضراء صبر ، عبر باللام فقال : ( لنا ) أي لا يقدر على رده عنا إلا هو سبحانه ) هو ) أي وحده ) لنا ) أي لا جميع امورنا ، لا قريب منا سواه ، فلو أراد لدفع عنا كل مصيبة لأنه أقرب إلينا منها ، لا نصل إلينا بدون علمه وهو قادر ، فنحن نعلم ان له في ذلك لطيف سرية تتضاءل دونها ثواقب الأفكار وتخسأ عن الإحاطة بتحقيقها نوافذ الأبصار فنحن لا نتهمه في قضائه لأنا

الصفحة 331