كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 358
حتى قلبت مدائنهم بعد أن رفعت إلى عنان السماء ، واتبعت حجارة الكبريت تضطرم ناراً ، ولعله خص قوم لوط بالذكر من بين من ليس له هذا اوصف لأن العرب كانوا يمرون على مواضع مدائنهم ويشاهدونها ، وعبر عنهم بالمؤتفكات لأن القصص للمنافقين الذين مبنى أمرهم على الكذب وصرف الأمور عن ظواهرها وتقليبها عن وجوهها ، فالمعنى أن أولئك لما قلبوا فعل النكاح عن وجهه عوقبوا بقلب مدائنهم فهؤلاء جديرون بمثل هذه العقوبة لقلب القول عن وجهه ، ومادة ( إفك ) بكل ترتيب تدور على القلب ، فإذا كافأت الرجل فكأنك قلبت فعله فرددته إليه وصرفته عنك ، وأكاف الدابة شبه بالإناء المقلوب ، والكذب صرف الكلام عن وجهه فهو إفك لذلك - والله أعلم .
ولما بين سبحانه أن المنافقين بعضهم من بعض وما تواعدهم بعه وما استتبعه من تهديدهم بإهلاك من شابهوه ، وختم بما سبب هلاكهم من إصرارهم وعدم اعتبارهم ، عطف ببيان حال المؤمنين ترغبياً في التوبة طعماً في مثل حالهم فقال : ( والمؤمنون ( ) والمؤمنات ) أي بما جاءهم عن ربهم ) بعضهم اولياء ( ولم يقل : من ، كما قال في المنافقين : من ) بعض ( دلالة على ان أحداً منهم لم يقلد أحداً في أصل الإيمان ولا وافقة بحكم الهوى ، بل كلهم مصوبون بالذات وبالقصد الأول إلى اتباع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالدليل القطعي على حسب فهم كل أحد منهم ، فذلك دليل على صحة إيمانهم ورسوخهم في تسليمهم وإذعانهم ؛ ثم بين ولا يتهم بأنهم يد واحدة على من سواهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فقال : ( يأمرون ) أي كلهم على وجه التعاضدد والتناصر ) بالمعروف ( وهو كل ما عرفه الشرع وأجازه ) وينهون ) أي كذلك ) عن المنكر ( لا يحابون أحداً .
ولما ذكر الدليل القطعي على صحة الإيمان ، أتبعه أفضل العبادات فقال : ( ويقيمون الصلاة ) أي يوجدونها على صفة تقتضي قيامها بجميع أركانها وشروطها وحدودها مراقبة لربهم واستعانة بذلك على جميع ما ينوبهم ) ويؤتون الزكاة ) أي مواساة منهم لفقرائهم صلة للخلائق بعد خدمة الخالق ، وذلك مواز لقوله في المنافقين ) ويقبضون أيديهم ( ولما خص أمهات الدين ، عم بياناً لأنهم لا ينسون الله طرفق عين بل يذكرونه في كل حال بقوله : ( ويطيعون الله ) أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه ) ورسوله ( إشارة إلى حسن سيرتهم وجميل عشرتهم .
ولما ذكر مكارم أفعالهم ، أتبعه حسن مآلهم فقال : ( أولئك ) أي العظماء الشأن ) سيرحمهم الله ) أي المستجمع لصفات الكمال بوعد لا خلف فيه ، وهذا مع الجملة