كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 360
تجويز نوع من الغضب قال مبتدئاً إشارة إلى نهى التعظيم - : ( ورضوان ) أي رضى لا يبلغه وصف واصف بما تشير إليه صيغة المبالغة ولو كان على أدنى الوجوه بما أفاده التنوين - ) من الله ) أي الذي لا أعظم منه عندهم ) أكبر ( اي مطلقاً ، فهو أكبر من ذلك كله لأن رضاه سببب كل فوز ، ولا يقع السرور الذي هو اعظم النعيم إلا برضى السيد ، وإذا كان القليل منه أكبر فما ظنك بالكثير .
ولما تم ذلك على ا ؟ حسن مقابلة بما وصف به أضدادهم ، قال يصفه زيادة في الترغيب فقه : ( ذلك ) أي الأمر العالي الرتبة ) هو ) أي خاصة لا غيره ) الفوز العظيم ) أي الذي يستصغر دونه كل شيء من أمور الدنيا والآخرة ، وفي كون ذلك وعداً لمن اتصف لأجل ما اتصف به ترغيب في الجهاد المأكور به بعدها لكونه من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والداعي الأعظم إلى الموالاة .
ولما ثبتت موالاة المؤمنين ومقاطعتهم للمنافقين والكافرين ، وكان ما مضى من الترغيب والترهيب كافياً في الإنانة ، وكان من لم يرجع بذلك عظيم الطغيان غريقاً في الكفران ، أتبع ذلك الأمر بجادهم بما يليق بعنادهم فقال آمراً بالمعروف والنهي عن المنكر : ( يأيها النبي ) أي العالي المقدار بما لا يزال يتجدد له منا من الأنباء وفينا من المعارف ؛ ولما كان الجهاد أعرف في المصارحين ، وكانوا أولى به لشدة شكائمهم وقوة نفوسهم وعزائمهم بدأ بهم فقال ؛ ) جاهد الكفار ) أي المجاهرين ) والمنافقين ) أي المسائرين كلاَّ بما يليق به من السيف واللسان ولما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مطبوعاً على الرفق موصى به ، قال تعالى : ( واغلط عليهم ( اي في الجهادين ولا تعاملهم بمثل ملا عاملتهم به من اللين عند استئذانهم في العقود ، وهذا بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم فقال ) المنافقين زالمنافقات والكفار ( فقدم في كل سياق الأليق به ؛ ولما كان المعنى : فإنك ظاهر عليهم وقاهر لهم وهم طعام السيف وطوع العصا ، عطف عليه قوله : ( ومأواهم ( اي في الآخرة ) جهنم وبئس المصير ( ولما أتى بالدليل العام على إجرمهم ، اتبعه الدليل الخاص عليه وهو ايضاً دليل على دليل فقال : ( يحلفون بالله ( اي لملك الأعلى الذي لا شيء اعظم منه قدراً ) ما قالوا ) أي ما وقع منهم قول ، فقصر الفعل تعميماً للمفعول إعلاماً بأنهم مهما عنفوا على قول كائناً ما كان بادروا إلى الحلف على نفيه كذباً لنهم مردوا على النفاق فتطبعوا بأعلى الكذب ومرنوا على سيء الأخلاق ، فصار حاصل هذا أنهم اطعموا في العفو .

الصفحة 360