كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 379
على هذا الترتيب : ثم عطف عليه ما يثمره الإيمان فقال : ( ويتخذ ) أي يحث نفسه ويجاهدها أن عرضت له الوساوس الشيطانية على أن يعد ) ما ينفق ) أي فيما امر الله به ) قربات ( جمع قربة لما تقرب إليه سبحانه ) عند الله ( اي الذي وظيفته التبليغ فهو لا يقول لهم شيئاً إلا عن الله ، واطلق القربة والصلاة على سببها .
ولما أخبر عن أفعالهم ، أخبر عن عاقبتهم ومآلهم ؛ قال مستأنفاً محققاً لرجائهم ترغيباً في الصدقة بأبلغ تأكيد لما لأعدائهم من التكذيب : ( ألا إنها ) أي نفقاتهم ) قربة لهم ) أي كما أرادوا ؛ ثم بين ثمرة كونها قربة بقوله : ( سيدخلهم الله ) أي الذي له صفات الكمال بوعد لا خلف فيه ) في رحمته ) أي إكرامه فتكون محيطة بهم ثم علل ذلك بقوله معبراً بالاسم الأعظم تنبيهاً على انه لا يسع الإنسان إلا العفو وإن أعظم الاجتهاد : ( إن الله ( اي الذي الذي لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره ) غفور ( اي بليغ الستر لقبائح من تاب ) رحيم ) أي بليغ الإكرام ، ذلك وصف له ثابت ، يجلله كل من يستأهله .
ولما ذكر القسم الصالح منهم وكانوا متفاوتين فمنهم السابق وأكثرهم التابع اللاحق ، أتبعه السابقين على وجه شامل حاصر لصنفي البادي والحاضر إشارة إلى أنه - وإن أجره - أصله فقد قدمه وصفه بحيث ساوى أهل الكمال في مطلق الانخراط في ملكهم والفوز بدرجتهم لإحسانه في اتباعه ترغيباً لأهل القدرة والرحمة في اتباع أهل الرضوان والنعمة فقال : ( والسابقون ( ولما دل على سبقهم بالعلو في مراتبه دل على قديم دخولهم فيه فقال : ( الأولون ) أي إلى هذا الدين القيم ) من المهاجرين ) أي الدار الكفر فضلاً عن أهلها ) والأنصار ) أي الذين آووا نصروا ) والذين اتبعوهم ) أي الفريقين ) بإحسان ) أي في اتباعهم فلم يحولوا عن شيء من طريقهم ) رضي الله ( اي الذي له لاكمال كله ) عنهم ( اي بافعالهم هذه التي هي وفق ما أمر به ) ورضوا عنه ( اي بما أتاهم عنه من البشرى وقذف في قلوبهم من النور بلطيف الوعظ والذكرى ) وأعد لهم ( اي جزاء على فعلهم ) جنات تجري ( ونبه على عموم ريّها وكثرة مائها بنزع الجار على قراءة الجماعة فقال : ( تحتها الأنهار ) أي هي كثيرة المياه .
فكل موضع أردته نبع منه ماء فجرى منه نهر ؛ ولما كان المقصود من الماء إنما هو السهولة في إنباطه بقربه ويسر جريه وانبساطه أثبته ابن كثير دلالة على ذلك كسائر المواضع ، ولعل تخصيص هذا

الصفحة 379