كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 389
ذلك اقسامهم ، ونكس الويتهم وأعلامهم وختمهم بهذه الطائفة التي ظهر فيها امتثاله صلى اله عليه وسلم لقوله تعالى ) جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ( بأن هدّ مسجدهم وحرقة بالنار وأزال بنيانه وفرقة ، وقدّ اديمه عن جديد الأرض ومزقه ، اتبع ذلك سبحانه بتذكير المؤمنين ما أمرهم به في قوله تعالى ) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ( وقوله ) انفروا خفافا وثقالاًً ( ليفعلوا فيه ما فعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما امره به ، فساق مساق الجواب لسؤال من كأنه قال : لقد طال المدى وعظم الخطب في هذه السورة في إبانة الفضائح وهتك السرائر وإظهار القبائح ، فلم فعل ذلك وقد جرت عادته بالأمر بالستر واخذ العفو ؟ قوله : ( إن الله ( اي الملك الذي لا ملك في الحقية غيره ولا يخشي إلا عذابه ولا يرجى إلا خيره ) اشترى ) أي بعهود اكيدة ومواثيق اكيدة ومواثيق غليظة شديدة ، ولذلك عبر بما يدل على اللجاج فيها فقال : ( من المؤمنين ) أي بالله وما جاء من عنده ، وقدم النفس إشارة إلى المبايعة سابقة على امتساب المال فقال مقدماً للأعز : ( أنفسهم ) أي التي تفرد بخلقها ) وأموالهم ) أي التي تفرد برزقها وهويملكها دونهم .
ولما ذكر المبيع اتبعه الثمن فقال : ( بأن لهم الجنة ) أي خاصة بهم مقصورة عليهم ، لا يكون لغير مؤمن ، فيميزهم حتى يقابل كل ما يستحقه ، فكأنه قيل : اشترى منهم ذلك بماذا ؟ فقيل : ( يقلتلون في سبيل الله ( اي الملك الأعلى بسبب دينه الذي لا يرضي غيره ، قتالاً يكون الدين محيطاً به وظرفاً ، فلا يكون فيه شائباً لغيره ؛ ثم سبب عن ذلك ما هو حقيق به ، فقال : ( فيقتلون و يقتلون ) أي الملك الأعلى من يكون ذلك بالقوة أو بالفعل ، فيخصمهم بالحنة كما وعدهم ، وقراءة حمزة ةاكسائي بتقديم المبني للمفعول أمدح ، لأن من طلب الموت - لا يقف له خصمه فيكون المعنى : فطلبوا ان يكونوا مقتولين فقتلوا اقرانهم ، ويجوز أن يكون النظر إلى المجموع فيكون المعنى انهم يقاتلون بعد رؤية مصارع اصحابهم من غير ان يوهنهم ذلك ، وعن بعض الأعراب انهلما سمع هذه الاية قال : بيع والله مربح لا نقيل ولا نستقيل ، فخرج إلى الغزو فاستشهد .
ولما كان القتل لكونه سبباً للجنة بشارة ووعداً ، أكد ذلك بقوله : ( وعداً ( وزاده بحرف افيجاب فقال : ( عليه ( واتم التأكيد بقوله : ( حقاً ( ولما أكد هذه المبايعة الكريمة هذه التأكيدات العظيمة ، زاد ذلك بذكره في جميع الكتب القديمة فقال : ( في التوراة ( كتاب موسى عليه السلام ) والإنجيل ( كتاب عيسى عليه السلام ) والقرآن ( اي الكتاب الجامع لكل ما قبله ولكل خير ، وهؤلاء المذكورون في ذه السورة كلهم ممن ادعى الإيمان وارتدى به حلل الأمان ، ثم إنهم فعلوا بتخلفهم عن الإقباض وتوقفهم عن الإسراع والإيقاض وغير ذلك من اقوالهم ومساوئ أفعالهم فعل الكاذب في دعواه أو

الصفحة 389