كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 396
ولما أشار إلى أنه هو وليهم أحياهم بروح منه مبين لهم ما يصلحهم وأنه لا ولي لهم غيره ، أقام الدليل على ذلك بقوله : ( لقد تاب الله ( اي الذي له الجلال والإكرام ) على النبي ) أي الذي لا يزال عنده من الله خبر عظيم يرشده إلى ما يؤذن بتقوية حياته برفع درجاته ، فما من مقام يرقيه إليه إلا رأى أنه لمزيد علوه وتقربه للمقام الذي كان دونه ، فهو في كل لمحة في ارتفاع من كامل إلى أكمل إلى ما لا نهاية له .
ولما أخبر تعالى بعلو رتبة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بترقيته في رتب الكمالات والأكمليات إلى ما لا نهاية له على وجه هو في غاية البعث لكل مؤمن على المبادرة إلى التوبة ، أكد ذلك بقوله : ( والمهاجرين والأنصار ( بمحو هفواتهم ورفع درجاتهم ) الذين اتبعوه ) أي النبي صلى اله عليه وسلم ) في ساعة العسرة ) أي أزمنة عزوة تبوك ، كانوا في عسرة من الزمان بالجدب والضيقة الشديدة والحر الشديد ، وعسرة من الظهر ( يعتقب العشرة ) على بعير واحد .
وعسرة من الزاد ( تزودوا التمر المدوّد والشعير المسوّس والإهالة الزنجية ) وبلغت بهم الشدة أن اقتسم التمر اثنان ، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء ، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها ؛ وسماها ساعة تهويناً لأوقات الكروب وتشجيعاً على مواقعة المكاره من حالهم قبلها ، وأشار سبحانه إلى تفاوتهم في الثبات على مقامات عالية ، ترقوا بالتوبة إلى أعلى منها ، وفي قبول وساوس أبعدتهم التوبة عن قبولها بقوله : ( من بعد ما كاد ( أيقرب قرباً عظيماً ) تزيغ ) أي تزول عن أماكنها الموجبة المقام للزلازل ، ناسب التعبير بما منه الانقلاب والفرقة فقال : ( قلوب فريق ) أي هم بحيث تحصل منهم الفرقة لما هناك من الزلازل المميلة ) منهم ) أي من عظيم ما نالهم من الشدائد إلى بني الأصفر الملوك الصيد الأبطال الصناديد ، وهم ملء الأرض كثرة وقدر الحصى عدة ومثل الجبال شدة ، ثم عزم الله له فلحق برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فرجع سبحانه بالجميع إلى ما كانوا عليه قبيل مقاربة الزيغ من مباعدته ، ولما صاروا كمن لم يقارب الزيغ. أعلاهم إلى مقام آخر عبرعن عظمته بأداة التراخي فقال : ( ثم تاب عليهم ) أي كلهم تكريراً للرفعة ، أو على من كاد يزيغ بالثبات على مباعدة الزلات وبالترقي في أعالي الدرجات إلى الممات ؛ ونقل أبو حيان عن الحسن أن زيغها همها بالانصراف لما

الصفحة 396