كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 398
خلفهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالهجران ونهى الناس عن كلامهم ، وأخر الحكم فيهم ليأتي أمر الله في بيان أمرهم واستمر تخليفهم ) حتى إذا ضاقت ( اشار إلى عظيم الأمر بأداة الاستعلاء فقال : ( عليهم الأرض ( اي كلها ) بما رحبت ( اي مع شدة اتساعها ، أي ضاق عليهم ووسعها .
ولما كان هذا قد يراد به الحقيقة ، وكان ضيق المحل قد لا يستلزم الصدر ، أتبعه الدلالة على أن المراد المجاز فقال : ( وضاقت عليهم ( بالهم المزعج والغم المقلق ) أنفسهم ) أي من شدة ما لاقوا من الهجران حتى بالكلام حتى برد السلام ؛ ولما كان ذلك لا يقتضي التوبة إلا بالمراقبة ، أتبعه ذلك للتخلف بها قوله : ( وظنوا ) أي أيقنوا ، ولعله عبر بالظن إيذان بأنهم لشدة الحيرة كانت قلوبهم لا تستقر على حال " فكان يقينهم لشدة الخواطر كأنه ظن ، أو يقال - وهو حسن - : إن التعبير به عن يقين المخلصين إشارة إلى أن أعلى اليقين في التوحيد لا يبلغ الحقيقة على ما هي عليه أن لا يقدر أحد ان يُقدر لله حق قدره - كما قال صدق الخلق ( صلى الله عليه وسلم ) ( لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ) وهذا من النفائس فاستعمله في أمثاله ) إلا إليه ( اي بما يرضيه ، وهو مثل لتحيرهم في أمرهم ، وجواب ) إذا ( محذوف دل عليه صدر الكلام تقديره : تداركهم بالتوبة فردهم إلى ما كانوا عليه قبل مواقعة الذنب .
ولما كان ما عملوه من التخلف عن أمر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) عظيماً بمجرد المخالفة ثم يترك المواساة ثم بالرغبة عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ثم بأمور عظيمة شديدة القبح وخيمة فكان يبعد معه الزيادة عن رتبة التوبة ، أعلم سبحانه أنه رقاهم في رتب الكمال بأن جعل ذلك سبباً لتطهيرهم من جميع الأدناس وتنقيتهم من سائر الأردان المقتضي لمزيد القرب بالعروج في مصاعد المعارف - كما أشار إليه قوله ( صلى الله عليه وسلم ) لكعب رضي الله عنه ( أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك ) أتبع ذلك سبحانه الإعلام به بقوله - مشيراً إلى ما بعده لولا فضل الله - بأداة الاستبعاد : ( ثم تاب عليهم ) أي رجع بهم بعد التوبة إلى مقام من مقامات سلامة الفطرة الذي هو أحسن تقويم يعلو لعلوه بالنسبة إلى ما دونه ، توبة ) ليتوبوا ) أي ليرجعوا إلى ما تقتضيه الفطرة الأولى من الثبات على ما كانوا عليه من