كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 399
الإحسان في الدين والتخلق بإخلاق السابقين ، ولعله عبر بالظن موضع العلم إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من جلاله للانقطاع إليه مجرد الظن بأنه لا سبب إليه إلا منه لأنه محيط بكل شيء لا يعجزه شيء ، ويمكن أن يكون التعبير - ) ثم ( إشارة إلى عظيم ما قاسوا من الأهوال وما تراقبوا إليه من مراتب الخوف ، وامتنان عليهم بالتوبة من عظيم ما ارتكبوا ، إنما خصوا عن رفائقهم بأن أرجئوا لأمر الله لعلو مقامهم بما لهم من السابقة ورسوخ القدم في الإسلام ، فالمخالفة اليسيرة منهم أعظم من الكثير من غيرهم لأنهم لأنهم أئمة الهدى ومصابيح الظلم ، ومن هذا البارق - حسنات الأبرار سيئات المقربين - ثم علل التوبة بأمر يعم غيرهم ترغيباً فقال معبراً بما يشير مع أعلى مقامهم إلى نزوله عن مقام من قبلهم : ( إن الله ) أي الذي له الكمال كله ) هو ) أي وحده ) التواب ) أي البليغ التوبة على من تاب وإن عظم جرمه وتكررت توبته ذنوبه ) الرحيم ) أي المكوم لمن اراد من عباده بأن يحفظه على ما يرتضيه فلا يزيغ ، ويبالغ في افنعام عليه .
ولما كان الذي نالوا الإقبال من موالاهم عليهم - مما وصفهم به من الضيق وما معه - هو التقوى والصدق في الإيمان كما كان ما يجده الإنسان في نفسه مما الموت عنده والقذف في النار أحب إليه من التلفظ به صرييح الإيمان بشهادة المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) ، رغب سبحانه في الصدق فقال : ( يأيها الذين آمنوا ) أي ادعوا ذلك ) اتقوا الله ) أي خافوا سطوة من له العظمة الكاملة تصديقاً لدعواكم فلا تفعلوا إلا ما يرضيه ) وكونوا ) أي كوناً صادقاً بجميع الطبع والجبلة ) مع الصادقين ) أي في كل أمر يطلب منهم ، ولعله اخرج الأمر مخرج العموم ليشمل كل مؤمن ، فمن كان مقصراً كانت آمره له باللحاق ، ومن كان مسابقاً كانت حاثة له على حفظ مقام الاستباق ، ولعله عبر ب ) مع ( ليشمل أدنى الدرجات ، وهو الكون بالجثت ، وقد روى ابخاري توبة كعب أحد هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم في مواضع من صحيصه منها التفسير ، وكذا رواه غيره عن غزوتين : غزوة العسرة - يعني هذه - وغزوة بدر ، وأن تخلفه ببدر إنما كان لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يندب الناس إليها ولا حثهم عليها لأنه ما خرج أولاً إلا لأجل العير ، قال : فأجمعت صدق رسول اله ( صلى الله عليه وسلم ) ، كان قل ما يقدم من سفر سافره إلا ضحى ، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين ونهى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن كلامي وكلام صاحبي - يعني مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي - ولم ينه عن كلام أحد من المختلفين غيرنا ، فاجتنبت الناس