كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 400
كلامنا فلبثت كذلك حتى طال عليّ َ الأمر ، وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي عليّ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أو يموت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليّ ، فأنزل الله عز وجل توبتنا على نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند أم سلمة رضي الله عنها ، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية في أمري فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ياأم سلمة تيب على كعب ، ) قالت : أفلا أرسل إليه فأشره ؟ قال : ( إذن يحطكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الللية ) حتى إذا ( صلى الله عليه وسلم ) صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا ، وكان إذا استبشر استنار وجهه كتى كأنه قطعة من القمر ، وكنا - أيها الثلاثة الذين خلفوا - خلفنا عن الأمر الذي قبل من هؤلاء الذين اعتذروا حين أنزل الله لنا التوبة ، فلما ذكر الذين كذبوا رسول اله ( صلى الله عليه وسلم ) من المختلفين واعتذروا بالباطل ذكروا بشر ما ذكر به أحد ، قال الله عز وجل ) يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ( .
ولما كان ما نالهم من الأهوال إنما نالهم بتخلفهم عن أشرف الخلق ، والذي التفت بهم إلى مرابع الإقبال إنما هو الصدق ، قال تعالى ناهياً بصيغة الخبر ليكون أبلغ ، جامعاً إليهم من كان على مثل حالهم في مطلق التخلف : ( ما كان ) أي ما صح وما انبغى بوجه من الوجوه ) لأهل المدينة ) أي التي هي سكن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهي دار الهجرة ومعدن النصرة ) ومن حولهم ) أي في جميع نواحي المدينة الشريفة ) من الأعراب ) أي من سكان البوادي الذين أقسموا بالإسلام ) أن يتخلفوا ( اي في أمر من الأمور ) عن رسول الله ) أي الملك الأعلى ، ومن شأن المرسل إليه أن لا يبرح عن جنان الرسول لا سيما وهو رأس الصادقين الذين وقع الأمر بالكون معهم ) ولا يرغبون ( اي وما كان لهم أن يرغبوا ، لعله قللهم بصيغة القلة بالنسبة غلى من أيده به ( صلى الله عليه وسلم ) جنوده فقال تعالى : ( بأنفسهم عن نفسه ) أي التي هي أشرف النفوس مطلقاً بأن يصونوا نفوسهم عما باشره ( صلى الله عليه وسلم ) بل يلقونها في المتالف دونه وصيانة لنفسه الشريفة عن أدنى الأذى ، فهى كالتعليل للأمر بالتقوى أي خافوا الله وأصدقوه كما صدق هؤلاء ليتوب عليكم كما تاب عليهم فإنه لم يكن لكم التخلف فهو نهي بليغ مع تقبيح وتوبيخ وإلهاب .