كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 408
الكتاب العزيز لأجل الفواصل ، فلذلك لا يليق بكلام الله تعالى ، وقد عاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) السجع ، لأن الساجع يكونُ محطَ نظره الألفاظ ، فيدير المعاني عليها ويتبعها إياها ، فرربما عجز اللفظ عن توفية المعنى ؛ روى البخاري في الطب وغيره من صحيحه ومسلم في الديات وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قضى في الجنين يقتل في بطن امه بغرة عبد أو وليدة ، فقال الذي قضى عليه : كيف أغرم من لاشرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل ، فمثل ذلك بطل ؛ فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إنما هذا من إخوان الكهان ) من اجل سجعه الذي سجع ، وفي رواية : فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( سجع كسجع الأعراب ) وذلك - والله أعلم - أنه لو كان نظره إلى المعنى وتصحيحه لأغنى عن هذا السجع ان يقال : كيف اغرم من لاحياة له ، ولوقصد السجع وتهذيب المعنى لتى مما يدل على نفي الحياة التي جعلها محط أمره فإن ما أتى به لا يستلزم نفيها ، ولو تقيد بالصحة لاغتنى بنفي النطق عن نفي الاستهلال ، فصح بهذا انه دائر مع تحسين اللفظ صح المعنى أم لا ، وينطبع في عقل عاقل أن يكون النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يذم السجع وهو ياتي به ويقصده في القرآن أو في السنة ، ولو كان ذلك لأسرعوا الرد عليه ، وذكر اصحاب فتوح البلاد في فتح مكران من بلاد فارس أن الحكم بن عمرو لما فتحها ارسل بالأخماس مع صحار العبدي ، فلما قدم على عمر رضي الله عنه سأله عن مكران وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه فقال : ياأمير المؤمنين أرض سهلها جبل ، وماءها وشل وثمرها دقل ، وعدوها بطل ، وخيرها قليل ، وشرها طويل ، والكثير بها قليل ، والقليل بها ضائع ، وما وراءها شر منها ؛ فقال ، اسجاع أنت أم مخبر ؟ فقال : لا بل مخبر ، قال : لاوالله لا يغزوها جيش لي ماأطعت .
فقد جعل الفاروق السجع قسيماً للخير فدل على أن التقيد به عيب لإخلاله بالفائدة أو بتمام الفائدة ، ولعله غنما جوز أن يكون مخبراً لنه إنفك عن السجع في آخر كلامه وكرر لفظ ( قليل ) فكان ما ظنه ، لأنه لو أراد السجع لأمكنه أن يقول والكثير بها ذليل ، والقليل بها ضائع كليل ، وما وراءها شر منها بأقوم قيل ؛ وقد نفى سبحانه عن هذا القرآن المجيد تصويب النظر إلى السجع كما نفى عنه الشعر فإنه تعالى قال
77 ( ) وما هو بقول شاعر قليلا

الصفحة 408