كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 414
خالصاً ينفي كل معصية صغيرة أو كبيرة وكل هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات ) وبشر ) أي خص ) الذين آمنوا ) أي اوجدوا هذا الوصف وعملوا تصديقاً لدعواهم له الصالحات ، اي من الأعمال اللسانية وغيرها ، بالبشارة بقبول حسناتهم وتكفير سيئاتهم والتجاوز عن هفواتهم وترفع درحجاتهم كما كان إرسال الرسل قبله وكما هو مقتضى العدل في إثابة الطائع الطائع وعتاب العاصي ، والإنذار : افعلام بما ينبغي ان يحذر منه ، والتبشير : التعريف بما فيه السرور ، واضاف القدم - الذي هو السابقة بالطاعة - إلى الصدق في قوله تعالى موصلاً لفعل البشارة إلى المبشر به دون حرف جر : ( أن لهم ) أي خاصة ) قدم صدق ( اي عمالاً حقة ثابته قدموها لأنفسهم صدوا فيها وأخلصوا فيما يسّروا له لأنهم خلقوا له وكان مما يسعى إليه بالإقدام ، وزاد في البشارة بقوله : ( عند ربهم ( ففي إضافة القدم تنبيه على أنه يجب أن يخلص له الطاعة كإخلاص الصدق من شوائب الكذب ، وفي التعبير بصفة الإحسان إشارة إلى المضاعفة .
ولما ثبت أن الرسول وام أرسل به على وفق اعادة ، انتفى أن يكون عجباً من هذه الجهة ، فصار المحل قابلاً لأن يتعجب منهم فيقال : ما قالوا حين اظهروا العجب ؟ ومن أيّ وجه رأوه عجباً ؟ فقيل : ( قال الكافرون ( اي الراسخون في هذا الوصف منهم وتبعهم غيرهم مؤكدين ماحق قولهم من الإنكار ) إن هذا ) أي القول وما تضمنه من الإخبار بما لا يعرف من البعث وغيره ) لسحر ( اي محمد لساحر - كما في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي ) مبين ( اي ظاهر في نفسه ، وهو من شدة ظهوره مظهر لكل شيء أنه كذلك ، فجاؤوابما هو في غاية البعد عن وصفه ، فإن السحر قد تقرر لكل ذي لب انه - مع كونه تمويهاً لا حقيقة له - شر محض ليس فيه شيء من الحكمة فضلاَ عن ان يمتطي الذروة منه مع أن في ذلك ادعاءهم أمراً متنافضاً ، وهو أنه من قول البشر كما هي العادة في السحر ، وانهم عاجزون عنه ، لأن السحر فعل تخفي الحيلة فيه حتى يتوهم الإعجاز به ، فقد اعترفوا بالعجز عنه وكذبوا في ادعاء أنه لسحر لأن الآتي به منهم لم يفارقهم قط وما خالط عالماً لا بسحر ولا غيره حتى يخالطهم فيه شبهة ، فهم يعلمون ان قولهم في غاية الفساد ، فشرع سبحانه يقيم الدليل على بطلان قولهم من أنه - مع ما تضمنه من البعث - سحر ، وعلى حقيقة انه من عنده من غير شبهة ، وعلى أن الرسالة لا عجب فيها ، لأنه سبحانه خلق الوجود كله وهو نافذ الأمر فيه وقد ابتلى من فيه من العقلاء ليردهم إليه ويحاسبهم فإنه لم يخلقهم سدى لأنه حكيم ، فلا بد من رسول يخبرهم بما يرضيه وما يغضبه لتقوم بذلك الحجة فقال : ( إن ربكم ) أي الموجد لكم

الصفحة 414