كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 458
توبيخاً هو في أحكم مواضعه ، وساقه على طريق السؤال بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب أصلاً بغير الإقرار بالافتراء فقال : ( أرءيتم ) أي أخبروني ، وعبر عن الخلق بالإنزال تنبيهاً علىأنه لا يمكن ادعاءه لأصنامهم لنزول أسبابه من موضع لا تعلق لهم به بوجه فقال : ( ما أنزل الله ) أي الذي له صفات الكمال التي منها الغنى المطلق ) لكم ( اي خاصاً بكم ) من رزق ) أي أيّ رزق كان ) فجعلتم منه ) أي ذلك الرزق الذب خصكم به ) حراماً وحلالاً ( على النحو الذي تقدم في الأنعام وغيرها قصته وبيان فساده على أنه جلي الفساد ظاهر العوج ؛ ثم ابتدأ أمراً آخر تأكيداً للإنكار عليهم فقال : ( قل ) أي من أذن لكم في ذلك ؟ ) الله ) أي الملك الأعلى ) أذن لكم ( فتوضحوا المسنتند به ) أم ( لم يأذن لكم فيه مع نسبتكم إياه إليه لأنكم فصلتموه إلى حرام وحلال ولا محل ومحرم إلا الله ، فأنتم ) على الله ) أي المحيط بكل شيء عظمة وعلماً ) تفترون ( مع نسبتكم الافتراء إلي في هذا القرآن الذي أعجز الأفكار والشرع الذي بهر العقول وادعائكم أنكم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأطهرهم ذيولاً منه ، وتقديم الجار للإشارة إلى زيادة التشنيع عليهم من حيث إنهم أشد الناس تبؤراً من الكذب وقد خصوا الله - على تقدير التسليم لهم - بأن تعمدوا الكذب عليه .
ولما كان قد مضى من أدلة المعاد ما صيره كالشمس ، وكان افتراءهم قد ثبت بعدم قدرتهم على مستند بإذن الله لهم في ذلك ، قال مشيراً إلى أن القيامة مما هو معلوم لا يسوغ إنكاره : ( وما ظن الذين يفترون ) أي يتعمدون ) على الله ) أي الملك الأعظم ) الكذب ) أي أنه نازل بهم ) يوم القيامة ) أي هب أنكم لم يحاسبكم فيكون حينئذ قد فعل ما لا يفعله رب مع مربوبه .
ولما كان تعالى يعاملهم بالحلم وهم يتمادون في هذاالعقوق ، قال : ( إن الله ) أي الذي له الكمال كله ) لذو فضل ) أي عظيم ) على الناس ) أي بنعم منها إنزال الكتب مفصلاً فيها ما يرضاه وما يسخطه وإرسال الرسل عليهم السلام لبيانها بما يحتمله عقول الخلق منها ، ومنها طول إمهالهم على سوء أعمالهم فكان شكره واجباً عليهم ) ولكن أكثرهم ) أي الناس لاضطراب ضمائرهم ) لا يشكرون ) أي لا يتجدد منهم شكر فهم لا يتبعون رسله ولا كتبه ، فهم يخبطون خبط عشواء فيفعلون ما يغضبه سبحانه ؛ والتحريم : عقد معنى النهي عن الفعل ؛ والتحليل : حل معنى النهي بالإذن ؛ والشكر : حق يجب بالنعمة من الاعتراف به والقيام فيما تدعو إليه على قدرها ؛ وافتراء الكذب : تزويره وتنميقه فهو أفحش من مطلق الكذب .

الصفحة 458