كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 47
عن الآيات ليس من خواص هذه الأمة بلف هي عادة الأمم السالفة ، وعلى أن النعم خاصة بالشاكرين ، ولذا كانت النقم مقصورة على الكافرين ، فقال تعالى ) لقد ارسلنا ( أب بعظمتنا ، وافتتحه بحرف التوقع لما للسامع الفطن من التشوف إلى ذكرر ما تكرر من الإشارة إليه ، ولأن اللام المجاب بها القسم المحذمف لا ينطقون بها غالباً إلا مقترنة بقد ، لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تاكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة بمعنى التوقع الذي هو معنى ( ق ) عند استماع المخاطب كلمة القسم ) نوحاً ( يعني ابن لمك بم متوشلخ بن خنوخ ، وهو إدريس عليه السلام ، وكان عند الإرسال أبن خميسن سنة .
ولما كان إرساله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل القبائل باختلاف اللغات قال : ( إلى قومه ) أي الذين كانوا ملء الأرض كما في حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن أنس رضي الله عنه ، ائتونا نوحاً أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض .
وفيهم من القوة على القيام بما يريدون ما لا يخفي على من تامل آثارهم وعرف أخبارهم ، فإن كانت آثارهم فقد حصل المراد ، وإن كانت لمن بعدهم علم - بحكم قياس الاستقرار - انهم أقوى على مثلها وأعلى منها ، ولسوق ذلك دليلاً على ما ذكرجاء مجرداً عن ادوات العطف ، وهو مع ذلك كله منبه على أن جميع الرسل متطابقون على الدعوة إلى ما دل عليه برهان ) إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض ) [ الأعراف : 54 ] من التوحيد والصلاح إلى غير ذلك من بحور الدلائل والحجاج المتلاطمة الأمواج - والله الهادي إلى سبيل الرشاد ، وكون نوح عليه السلام رسولاً إلىجميع أهل الأرض - لأنهم قومه لوحده لسانهم - لا يقدح في تخصيص نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) بعموم الرسالة ، لأن معنى العموم إرساله إلى جميع الأقوام المختلفة باختلاف الألسن وإلى جميع من ينوس من الإنس والجن والملائكة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الصافات لهذا مزيد بيان ولما كان من المقاصد العظيمة الإعلام بان الذي دعا إليه هذا الرسول لم تزل الرسل - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام - تدعو إليه ، وكان نوح أول رسول ذكرت رسالته عقب ذكر إرساله بذكر ما أرسل به بالفاء بقوله ) فقال ياقوم ( اي فتجيب إليهم بهذه بالإضافة ) اعبدوا الله ) أي الذي له جميع العظمة من الخلق والمر ، فإنه مستحق لذلك وقد كلف عباده به .
ولما كان المقصود إفراد بذلك ، علل بقوله مؤكداً له بإثبات الجار ) ما لكم ( وأغرق في النفي فقال : ( من إله غيره ( ثم قال معللاً أو مستأنفاً مخوفاً مؤكداً لأجل تكذيبهم : ( إني أخاف عليكم ( في الدنيا ولآخرة ، ولعلة قال هنا : ( عذاب يوم

الصفحة 47