كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 54
الفرق ما لا يخفي ، فالمخلوف في الثاني لم يذكر ، فكأنه قيل : جعلكم لمن كان قبلكم في هذه الأرض التي أنتم بها ، وخص قوم نوح وعاد بالذكر تذكيراً بما حل بهم من العذاب ، ولهذا زائدة على الحد عظيمة الانتشار في جميع الأقطار ، ومعلوم أن الله تعالى لم يترك واحدة منها بغير رسول
77 ( ) وما كان معذبين حتى نبعث رسولاً ( ) 7
[ الإسراء : 15 ] وفي قصة هود في سورة الأحقاف
77 ( ) وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ( ) 7
[ الأحقاق : 21 ] ؛ وله سر آخر وهو أن هذه الأمم كان عند العرب كثير من أخبارهم فصلت لهم أحوالهم ، طوي عنهم من لم يكن عندهم شعور بهم فلم يذكروا إلا إجمالاً لئلا يسارعوا إلى التكذيب بما ينزل فيهم من غير دليل شهودي يقام عليهم .
ولما ذكرهم بمطلق الإبقاء بعد ذلك لإغراق العام ، أتبعه التذكير بالزيادة فقال : ( وزادكم ) أي على من قبلكم أو على من هو موجود في الأرض في زمانكم ) في الخلق ( اي الخاص بكم ) بسطة ( اي في الحسن بطول البدان والمعنى بقوة الأركان قيل : كان طول كل واحد منهم أثتى عشر ذراعاً وقيل أكثر .
ولما عظمت النعمة ، كرر عليهم التذكير فقال مسبباً عن ذلك ) فاذكروا آلاء الله ( اي نعم الذي استجمع صفات العظمة التي أنعم عليكم بها من الاستخلاف والقوة وغيرهما ، واذكروا انه لا نعمة عندكم لغيره أصلاً فصار مستحقاً لأن تخصوه بالعبادة ) لعلكم تفلحون ( اي ليكون حالكم حال من يرجي فلاحة وهو ظفره بجميع مراده ، لأن الذكر موجب للشكر الموجب للزيادة ولما كان هذا منه موجباً ولا بد لكل سامع منصف من المبادرة إلى لإذعان لهذه الحجة القطعية ، وهي استحقاقه للافراد بالعبادة للتفرد بالإنعام ازداد تشوف المخاطب إلى جوابهم ، فأجيب بقوله : ( قالوا ( منكرين عليه معتمدين على محض التقليد ) أجئتنا ) أي من عند من ادعيت أنك رسوله ) لنعبد الله ( اي الملك الأعظم ) وحده ( ولما كان هذا منهم في غاية العجب المستحق للإنكار ، اتبعوه ماهو كالعلة لإنكارهم عليه ما دعاهم إليه فقالوا : ( ونذر ) أي نترك على غير صفة حسنة ) ما كان يعبد آباؤنا ( اي مواطنين على عبادته بما دلوا عليه ب ( كان ) وصيغة المضارع - مع افشارة بها إلى تصوير آبائهم في حالهم ذلك - ليحسن في زعمهم إنكار مخالفتهم لهم .
ولما كان معنى هذا الإنكار أنا لا نعطيك ، وكان قد لوح لهم بالتذكير بقوم نوح وقوله ) أفلا تتقون ( إلى من العذاب بما لوح إليه إيماؤهم إلى التكذيب يقولهم : ( إن كنت من الصادقين ( وتسميتهم للانذار بالعذاب وعداً من باب الاستهزاء