كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 72
شهر من ورائه وشهر من أمامه ، ولكونه كان نبي الرحمة ما اقتضى ذلك الهلاك بل النجاة ولما أخبر سبحانه بهلاكهم وما سببه من أقوالهم وافعالهم ، وكان للتخليص من العظمة في القلوب بتصوير المخلص للاذهان ما لا يخفى ، لخص ذلك ذاكراً لأنه حل بهم بالخصوص - ما نسبةوا إلى المؤمنين من الخسارة فقال : ( الذين كذبوا شعيباً ) أي نسبوه إلى الكذب فيما قاله عنا وايدنا فيه بالبينات ) وكان ) أي هم المخصصون بالهلاك حتى كأنهم ) لم يغنوا ) أي ينزلوا ويقيموا ، وبطل مقامهم لاهين بالأفراح والغناء والاستغناء من المغاني وهي المنازل والاستغناء ) فيها ) أي الدار بسبب تكذيبهم ولما كان تكذيب الصادقين لا سيما الرسل في غاية الشناعة ، كرره إشارة إلى ذلك وإعلاماً بأنه سبب لهم أعظم من هلاك الشباح ضد ما سبب التصديق للمؤمنين فقال : ( الذين كذبوا شعيباً ) أي تكذيبه سبباً لهلاكهم ) كانوا ) أي بسبب التكذيب أيضاً ) هم ) أي خاصة ) الخاسرين ) أي خسروا أرواحهم كما خسروا أشباحهم فهم لما سوى ذلك أخسر ، وأما الذين اتبعوه فما نالهم شيء من الخسار ، وفي هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لآرائهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم .
ولما صارت تلك الدار محل الغضب ، سبب ذلك أن هاجر عنها كما كانت عادة من قبله من الأنبياء عليهم السلام ، فقال : ( فتولىعنهم ( بعد نزول العذاب وقبله عند رؤية مخايلةذاهباً إلى مكان غيره ، يعبد ربه فيه ) وقال ( متأسفاً على ما فاته من هدايتهم ) ياقوم ) أي يا عشيرتي وأقرب الناس إلّي ) لقد أبلغتكم ( ولعله جمع لأجل كثرة ما أتهاهم به من المعجزات فقال : ( رسالات ربي ) أي المحسن إلّي بإنجائي ومن تبعني من عذابكم لتوفيقه لنا إلى ما يرضيه ) ونصحت ) أي وأوقعت النصح ) لكم ) أي خاصة ولما كان هذا مفهماً لما طبع البشر من الأسف أهله وعشيرته ، سبب عنه منكراً على نفسه قوله : ( فكيف آسى ) أي أحزان حزناً شديداً ) على قوم كافرين ) أي عريقين في الكفر ، فعرف أنه أسف عليهم من أجل قربهم وفوات الإيمان لهم غير آسف عليهم من أجل كفرهم ، وتخصيص تكرير هذه القصص الخمس على هذا الترتيب في كثير من سور القرىن - دون قصة إبراهيم عليه السلاتم وهوأعظمهم - لانتظامهم في أنهم أقرت أعينهم بأن رأوا مصارع من خالفهم ، وأما إبراهيم عليه السلام فإنه وقع النص في قوله
77 ( ) إني ذاهب إلى ربي سيهدين ( ) 7
[ الصافات : 99 ] بأنه خرج من بين قومه قبل عذابهم ولم يسلك به سبيلهم في إقرار عينه بإهلاك من كذبه بحضرته ، وهو افضلهم لأن