كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 80
ولما ساق هذا الطلب مساقاً دالا~ً على أنه شاك في أمره ، أخبر تعالى أنه فاجأه بإظهار الآية دالاً على ذلك بالفاء المسببة المعقبة من غير مهلة فقال عن فعل موسى عليه السلام : ( فألقى عصاه ( وعن فعله هوسبحانه ) فإذا هي ) أي العصا ) ثعبان مبين ) أي ظاهر في كبره وسرعة حركته بحيث إنه لشدة ظهوره كانه ينادي الناس فيظهر لهم أمره ، وهو موضح لصدق من تسبب عن فعله في جميع مقالته ؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ثعباناً أشعر فاغراً فاه ، بين لحييه ثمانون ذراعاً ، ا وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فوثب من سريره هارباً وأحدث ، وحمل على الناس فانهزموا وصاحوا فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً ، قتل بعضهم بعضاً ، وصاح فرعون : يا موسى خذه وأنا أومن بك فأخذه فعاد عصاً ثم قال : هل معك آية أخرى ؟ قال : نعم ) ونزع يده ) أي أخرجها من جيبه بعد أن أراه إياها محترقه أدماً كما كانت وهو عنده ) فإذا هي بيضاء ( ونبه على ثبات بيضها وزيادة إعجابه بقوله : ( للناظرين ( قال أبو حيان : أي للنظارة ، وفي ذكر ذلك تنبيه على عظم بياضها لأنه لا يعرض العجب لهم إلا إذا كان بياضها خارجاً عن العادة ، وقال ابن عباس : صارت نوراً ساطعاً يضيء ما بين السماء والأرض ، له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم ، وما أعجب أمر هذين الخارقين العظيمين : أحدهما في نفسه وذلك اليد البيضاء ، والآخر في غير نفسه وهى العصا التي يمسكها بيده ، وجمع بذينك تبديل الذوات من الخشبية إلى الحيوانية ، وتبديل الأعراض من السمرة إلى البياض الساطع ، فكانا دالين على جواز المرين - انتهى .
ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان ، اقتضى الحال السؤال عما أبرزوه من المقال في جوابه فقال : ( قال الملأ ) أي الأكبار ) من قوم فرعون ( ما تلقفوه من فرعون واحداً بعدج واحد ، يلقيه أكبرهم إلى أصغرهم ) إن هذا لساحر ) أي فهذا الذي رايتموه أيها الناس من تخيله ما لا حقيقة له ، فلا تبادروا إلى متابعته ولما كان ذلك خارجاً عما ألفوه السحرة قالوا : ( عليم ) أي بما هم فيه ، بالغ في علمه إلى حد عظيم ، فذلك جاء ما ريتم منه فوق العادة ، فكأن فرعون قال ذلك أبتداء - كما في سورة الشورى - فتلقفوه منه وبادروا إلى قوله ، يقوله بعضكم لبعض إعلاماً بأنهم على غاية الطواعية له خوفاً على رئاستهم تحقيقاً لقوله ، تعالى
77 ( ) فاستخف قومه فاطاعوه ( ) 7
[ الزخرف : 54 ] واختير هنا إسناده إليهم ، لأن السياق للاستدلال على فسق الكثر ، وأما هناك فالسياق لأنه إن أراد سبحانه انزل آية خضعوا لها كما خضع فرعون عند رؤية ما رأى من موسى عليع السلام حتى رضي لنفسه بأن يخاطب عبيده -

الصفحة 80