كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)
صفحة رقم 82
السحرة كانوا في ذلك الزمان عندهم في غاية الكثرة ، ويدل على أن في طبع الناس المعارضة ، فمهما أمكنت بطلت دعوى النبوة ، وإذا تعذرت صحت الدعوى ولما كان التقدير ، فاخر أمرهما وارسل كما قالوا ، فجمعوا من وجدوه منهم ، عطف عليه قوله : ( وجاء السحرة فرعون ( ولما تشوف السامع إلى خبرهم ، قال مجيباً له استئنافاً : ( قالوا ) أي لفرعون حضروا بين يديه متوثقين لنفع أنفسهم مفهمين له أنهم غالبون ، لا مانع لهم من ذلك إلا عدم إنصافهم ، سائقين للكلام في قراءة الجماعة مساق الاستفهام أدباً معه في طلب الإكرام : ( أئن لنا لأجراً ( وأكدوا طلباً لإخراج الوعد على حال التكذيب ) إن كنا نحن ) أي خاصة ) الغالبين ( ومن أخبر أراد الاستفهام وهم نافع وابن كثير وحفص عن عاصم ) قال ) أي فرعون ) نعم ) أي لكم أجر مؤكد الخبر به ، وزاد بيان التاكيد بما زادهم به رغبة في قوله : ( وإنكم ) أي زيادة على ذلك ) لمن المقربين ) أي عندي في الحضرة .
ولما فرغوا من محاورته ، تشوف السامع إلى قولهم لموسى عليه السلام ، فاستأنف قوله جواباً : ( قالوا ( بادئين باسمه ) ياموسى ( مخبرين له أدباً معه كما هي عادة عقلاء الخصام قبل وقوع الخصام في سياق مفهم أن قصدهم الإلقاء أولاً ، وذلك قولهم : ( وإما أن نكون نحن ) أي خاصة ) الملقين ) أي لما معنا أولاً ولما فهم موسى عليه السلام مرادهم مما عبر هذا النظم عن حقيقة معناه من تاكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر وإقحام الفصل ، وكان واثقاً من الله تعالى بما وعده به جارياً مع مراده ، لا فرق بين أن يتقدم أو يتاخر ؛ أجابهم إلى سؤالهم .
وهو أوقع في ازدراء شأنهم ، فاستانف سبحانه الخبر عنه بقوله : ( قال ألقوا ) أي أنتم أيها السحرة ما تريدون إلقاءه ، وهو أمر تعجيز ولما أذن لهم بادروا إلى ذلك كما أفهمه العطف بالفاء في قوله : ( فلما ألقوا ) أي ماأعدوه للسحر ) سحروا أعين الناس ) أي عن صحة إدراكها حتى خيلوا إليها ما لا على بعض ، وبعثوا جماعة ينادون : أيها الناس احذروا ) واسترهبوهم ) أي وأوجدوا رهبتهم إيجاد راغب فيها طالب لها غاية الطلب ولما قيل ذلك ، كان ربما ظن أنهم خافوا مما لا يخاف من مثله ، فقال تعالى مبيناً أنهم معذورن في خوفهم : ( وجاؤوا بسحر عظيم ( قال صاحب كتاب الزينة :