كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 3)

صفحة رقم 84
عالين ، ولا ذل ولا صغار اعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله على وجه لا يكون فيه حيلة ولما كان الأدب وذل النفس لا يأتي إلا بخير ، لأنه اللائق بالعبيد ، قاد كثيراً منهم إلى السعادة الأبدية ، فالذلك قال : ( وألقى السحرة ) أي ألقاهم ملقى الخوف من الله والشوق إلى الخضوع بين يديه والذل لديه حين عرفوا أن ما فعله موسى عليه السلام أمر سماوي ، صدق الله تعالى به موسى عليه السلام في انه رسوله ، ولم يتاخروا بعد ذلك أصلاً حتى كانهم خروا من غير اختيار ) ساجدين ( شكراً لله تعالى وانسلاخاً عن الكفر ودليلاً على أقصى غايات الخضوع ، فعل الله ذلك بهم حتى تبهر به فرعون وملأه وتحير عقولهم ولما كانوا بمعرض التشوق العظيم إلى معرفة قولهم بعد فعلهم ، أخبر عنذلك سبحانه بقوله : ( قالوا ) أي حال إلقائهم للسجود ) آمنّا ) أي كلنا ) برب العالمين ( أ ي الذي خلق فرعون ومن قبله وما يعيشون به ؛ خصوا من هداهم الله على أيديهم تصريحاً بالمراد وتشريفاً لهما فقالوا : ( رب موسى ( ثم أزالو الشبهة بحدذافيرها - لأن فرعون ربما ادعى بتربية موسى عليه السلام أنه المراد - بقولهم : ( وهارون ( وفي الآية دليل على أن ظهور الآية موجب للإيمان عند ظهرت له ، ولو أن الرسول غير مرسل إليه .
ولما صرحوا بالذي آمنوا به تصريحاً منع فرعون أن يدلس معه بما يخيل به على قومه ، شرع في تهديدهم على وجه يمكر فيه بقومه ويلبس عليهم إيقافاً لهم عن المبادرة إلى الإيمان - كما بادر السحرة - إلى وقت ما ، فاستانف الخبر عنه سبحانه بقوله مصرحاً باسمه غير مضمر له كما في في غير هذه السورة لأن مقصود السورة الإتذار ، وهو أحسن الناس بالمناداة عليه في ذلك المقام ، وقصته مسوفة لبيان فسق الأكثر ، وهو أفسق أهل ذلك العصر : ( قال فرعون ( منكراً عليهم موبخاً لهم بقوله : ( آمنتم ) أي صدقتم ) به ) أي موسى تصديقاً آمنه من روجوعكم عنه ، ومن أخبر أراد من دلائل صدق موسى عليه السلام واقتداء بالسحرة بقوله : ( قبل أن آذن لكم ( ليوقفهم من خطر المخالفة له بما رجاهم فيه من إذنه ، فلما ظن أنهم وقفوا خليهم بما يذهب عنهم ذلك الخاطر أصلاً ورأساً بقوله مؤكداً نفياً لما أرادوا وتنسية لخاطر الإيمان فقال : ( مكرتموه في المدينة ) أي على ميعاد بينكم وبين موسى ، وحيلة احتلموها قبل اجتماعكم ، وليس إيمانكم لأن صدقه

الصفحة 84