كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (اسم الجزء: 3)
فَابتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيفَيهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فَأَخبَرَاهُ فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ . فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا: أَنَا قَتَلتُهُ، فَقَالَ: هَل مَسَحتُمَا سَيفَيكُمَا؟ . قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيفَينِ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله)؛ هذا يدل على: أن للإمام أن ينظر في شواهد الأحوال ليترجح عنده قول أحد المتداعيين، وذلك أن سؤاله عن مسح السيفين إنما كان لينظر إن كان تعلق بأحدهما من أثر الطعام (¬1) أو الدَّم ما لم يتعلق بالآخر، فيقضي له، فلما رأى تساويَ سيفيهما في ذلك قال: (كلاكما قتله)، ومع ذلك فقضى بالسلب لأحدهما، فكان ذلك أدل دليل على صحة ما قدَّمناه من مذهب مالك، وأبي حنيفة. وقد اعتذر المخالفون عن هذا الحديث بأوجه:
منها: أن هذا منسوخ بما قاله يوم حنين. وهو فاسد لوجهين:
أحدهما: أن الجمع بينهما ممكن. كما قدمناه، فلا نسخ.
والثاني: أنَّه قد روى أهل السِّير وغيرهم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر: (من قتل قتيلًا فله سلبه)؛ كما قال يوم حنين. وغايته: أن يكون من باب تخصيص العموم على ما قلناه.
ومنها: أن بعض الشافعية قال: إنما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك؛ لأنه استطاب نفس أحدهما. وهذا كلام غير محصل، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيب الأنفس بما لا يحل. ثم كيف يستطيب نفس هذا بإفساد قلب الآخر؟ هذا مما لا يليق بذوي المروءات، فكيف بخاتم النبوات؟ !
ومنها: أنه لعله أن يكون رأى على سيف أحدهما من الأثر ما لم ير على الآخر، فأعطاه السلب لذلك، وقال: (كلاكما قتله) تطييبًا لقلب الآخر. وهذا
¬__________
(¬1) كذا في جميع النسخ، وفي إكمال إكمال المعلم للأبي: الطعان.