كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)

فَإِنْ قِيلَ: فَرَضْتُ الِاخْتِلَافَ الْمُتَكَلَّمَ (فِيهِ) (¬1) فِي وَاسِطَةٍ بَيْنَ طَرَفَيْنِ (¬2) فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ تردد النظر فيه عليهما (ولم) (¬3) تَفْعَلْ، بَلْ رَدَدْتُهُ إِلَى الطَّرَفِ الْأَوَّلِ فِي الذَّمِّ وَالضَّلَالِ، وَلَمْ تَعْتَبِرْهُ بِجَانِبِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي لَا (يُضِيرُ) (¬4)، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ فِي الْفُرُوعِ.
فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ: أَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الْقِسْمِ وَاسِطَةً بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ إِلَّا مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، أَمَّا الْجِهَةُ الْأُخْرَى فإن (ذِكْرِهِمْ) (¬5) فِي هَذِهِ/ الْأُمَّةِ وَإِدْخَالِهِمْ فِيهَا/ أَوْضَحَ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَمْ يُلْحِقْهُمْ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مُلْحِقًا لَهُمْ بِهِ لَمْ يَقَعْ فِي الْأُمَّةِ اخْتِلَافٌ وَلَا فُرْقَةَ، وَلَا أَخْبَرَ الشَّارِعَ بِهِ، وَلَا نَبَّهَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَيْهِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ فَرَضْنَا اتِّفَاقَ الْخَلْقِ على الملة بعد (أن) (¬6) كَانُوا مُفَارِقِينَ لَهَا لَمْ نَقُلْ: اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ بَعْدَ اخْتِلَافِهَا، كَذَلِكَ لَا نَقُولُ: اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ، وافترقت الأمة بعد اتفاقها، (لو) (¬7) خَرَجَ بَعْضُهُمْ/ إِلَى الْكَفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يقال: افترقت أو تفترق الْأُمَّةُ، إِذَا كَانَ الِافْتِرَاقُ وَاقِعًا فِيهَا مَعَ بَقَاءِ اسْمِ الْأُمَّةِ هَذَا/ هُوَ الْحَقِيقَةُ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَوَارِجِ: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" (¬8)، ثُمَّ قَالَ: وَتَتَمَارَى فِي الفوق ـ وفي رواية ـ
¬_________
(¬1) زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(¬2) الطرفان هما: الاختلاف في أصل الدين والنحلة كاليهودية والنصرانية والإسلام، والطرف الثاني الاختلاف في الفروع مع الاتفاق في أصل الدين كاختلاف الصحابة، والواسطة هو الاختلاف في بعض قواعد الدين الكلية مع الاتفاق في أصل النحلة. وانظر ما تقدم ذكره (ص97 ـ 98).
(¬3) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "فلم".
(¬4) في (ت): "يضر".
(¬5) في (ط) و (خ) وهامش (ت): "عدم ذكرهم".
(¬6) زيادة من (م) و (خ) و (غ) و (ر).
(¬7) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "أو".
(¬8) حديث ذم الخوارج أخرجه جمع كبير من أهل العلم منهم مالك في الموطأ (478)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (168 و448 و2687)، والحميدي في مسنده (749 و1271)، وابن الجعد في مسنده (2595)، وأحمد في مسنده (1 81 و88 و113 و131 و160 و404) و (3 4 و15 و33 و52 و56 و60 و64 و65 و183 و189=

الصفحة 114