كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)
قَالَ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} (¬1)، فبين أن (التآلف) (¬2) إِنَّمَا/ يَحْصُلُ عِنْدَ الِائْتِلَافِ عَلَى التَّعَلُّقِ بِمَعْنًى واحد، وأما إذا تعلق كُلُّ شِيعَةٍ بِحَبْلٍ غَيْرِ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنَ التَّفَرُّقِ، وَهُوَ مَعْنَى قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (¬3).
وإذا (تبين هذا تنزل) (¬4) عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ وَاسْتَقَامَ مَعْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
إِنَّ هَذِهِ الْفِرَقَ إِنْ كَانَتِ/ افترقت بسببٍ مُوقِعٍ في العداوة وَالْبَغْضَاءِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا (إِلَى أَمْرٍ) (¬5) هُوَ مَعْصِيَةٌ غَيْرُ بِدْعَةٍ (وَمِثَالُهُ أَنْ يَقَعَ بين أهل الإسلام افتراق بسبب دنياوي) (¬6)، كَمَا يَخْتَلِفُ/ مَثَلًا أَهْلُ قَرْيَةٍ مَعَ قَرْيَةٍ أُخْرَى بِسَبَبِ تَعَدٍّ فِي مَالٍ أَوْ دَمٍ، حتى تقع بينهم العداوة فَيَصِيرُوا حِزْبَيْنِ، أَوْ يَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيمِ والٍ (أو عزل وَالٍ) (¬7) أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (فَيَفْتَرِقُونَ) (¬8)، وَمِثْلُ هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَقَدْ يُشْعَرُ بِهِ (مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيد شبر (فمات) (¬9) فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ) (¬10)، وَفِي مِثْلِ (هَذَا) (¬11) جَاءَ فِي الحديث: (إذا بويع الخليفتين) (¬12) فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا) (¬13)، وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: {وَإِنْ
¬_________
(¬1) سورة آل عمران: الآية (103).
(¬2) في (م) و (خ): "التأليف".
(¬3) سورة الأنعام: الآية (153).
(¬4) في سائر النسخ ما عدا (غ): "ثبت هذا نزل".
(¬5) في (ت): "لأمر".
(¬6) ساقط من (غ) و (ر).
(¬7) زيادة من (غ) و (ر).
(¬8) في (ت) و (غ) و (ر): "فيتفرقون".
(¬9) زيادة من (غ) و (ر).
(¬10) أخرجه البخاري (7054 و7143)، ومسلم (1849)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (1162)، وأحمد في مسنده (2 133) (3 445 و446) (5 180)، والدارمي (2519)، والترمذي (2862)، وأبو يعلى (1571 و7203)، وابن خزيمة في الصحيح (1895)، والطبراني في الكبير (3427)، وابن حبان في الصحيح (6233)، والحاكم (401 و408 و1534)، والقضاعي في المسند (448 و450)، والبيهقي في السنن الكبرى (16391).
(¬11) في (غ) و (ر): "ذلك".
(¬12) في (ط) و (خ) و (ت): "الخليفتان".
(¬13) أخرجه مسلم (1853)، والحاكم (2665)، والبيهقي في السنن الكبرى (16324).