كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)
عَنْهُ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا أَرَدْنَا، إِذِ الْوَعِيدُ بِالنَّارِ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِعُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ (كَمَا) (¬1) يَتَعَلَّقُ بِالْكُفَّارِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنْ تباينا في التخليد وعدمه.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
إِنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْمَذْكُورَةَ آنِفًا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْفِرَقَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ هِيَ الْمُبْتَدِعَةُ فِي قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ عَلَى الْخُصُوصِ، كَالْجَبْرِيَّةِ (¬2) وَالْقَدَرِيَّةِ (¬3) وَالْمُرْجِئَةِ (¬4) وَغَيْرِهَا وَهُوَ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنَّ إِشَارَةَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْخُصُوصِ، وَهُوَ رَأْيُ الطَّرْطُوشِيِّ (¬5)، أَفَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} (¬6)، و (ما) في قوله تعالى: {مَا تَشَابَهَ}، لَا تُعْطِي/ خُصُوصًا فِي اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ لَا فِي قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ، وَلَا فِي (غَيْرِهَا) (¬7)، بَلِ الصِّيغَةُ تَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَالتَّخْصِيصُ تحكُّم.
وَكَذَلِكَ قوله/ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (¬8)، فجعل ذلك (التفرق) (¬9) فِي الدِّينِ وَلَفْظُ الدِّينِ، يَشْمَلُ الْعَقَائِدَ وَغَيْرَهَا، وَقَوْلُهُ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (¬10)، فالصراط المستقيم هو الشريعة على العموم، (وبيانه) (¬11) مَا تَقَدَّمَ فِي السُّورَةِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ، وَإِيجَابِ الزَّكَاةِ/ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى أبدع نظم وأحسن سياق.
¬_________
(¬1) في (م): "بما".
(¬2) الجبرية: انظر ملحق الفرق رقم (88).
(¬3) تقدم تعريفهم (ص1/ 14).
(¬4) المرجئة: انظر ملحق الفرق رقم (78).
(¬5) ذكر الطرطوشي رأيه هذا في أكثر من موضعٍ في كتابه الحوادث والبدع، حيث ذكر كثيراً من البدع العملية، والتي لا تختص بالعقائد.
(¬6) سورة آل عمران: الآية (7).
(¬7) في (غ) و (ر): "غيره".
(¬8) سورة الأنعام: الآية (159).
(¬9) في (ط) و (خ) و (غ) و (ر): "التفريق".
(¬10) سورة الأنعام: الآية (153).
(¬11) في (ط) و (م) و (خ): "وشبه". وفي (غ) و (ر): "وبينة".
الصفحة 136