كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)
وَاسْتَدَلَّ الطَّرْطُوشِيُّ عَلَى أَنَّ الْبِدَعَ لَا تَخْتَصُّ بالعقائد بما جاء عن الصحابة والتابعين وسائر الْعُلَمَاءُ مِنْ تَسْمِيَتِهِمُ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ بِدَعًا إِذَا خَالَفَتِ الشَّرِيعَةَ،/ ثُمَّ أَتَى بِآثَارٍ كَثِيرَةٍ كَالَّذِي رواه مالك عن عمه أبي/ سهيل (بن مالك) (¬1) عَنْ أَبِيهِ (¬2) أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ إِلَّا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ (¬3). يعني بالناس الصحابة رضي الله عنهم، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَكْثَرَ أَفْعَالِ عَصْرِهِ، وَرَآهَا مخالفة لأفعال الصحابة رضي الله عنهم.
وَكَذَلِكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ (سَأَلَهُ) (¬4) رَجُلٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا هَلْ/ يُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ؟ فَغَضِبَ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، ثُمَّ قال: وهل (كان) (¬5) يَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ؟ (¬6).
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ (¬7) قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مُغْضَبًا، فَقُلْتُ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ (مِنْهُمْ مِنْ) (¬8) أَمْرِ مُحَمَّدٍ إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا (¬9). وَذَكَرَ جُمْلَةً مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ فِي الْأَفْعَالِ قَدْ ظَهَرَتْ.
وَفِي مُسْلِمٍ قَالَ مُجَاهِدٌ (¬10): دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزبير (¬11) المسجد
¬_________
(¬1) زيادة من (غ) و (ر).
(¬2) أبو سهيل اسمه: نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني.
وأما أبوه فهو: مالك بن أبي عامر الأصبحي جد الإمام مالك بن أنس، تقدمت ترجمتهما (1 23).
(¬3) تقدم تخريجه (1 23).
(¬4) في (م): "سأل".
(¬5) زيادة من (غ) و (ر).
(¬6) ذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص112).
(¬7) أم الدرداء: واسمها هجيمة، وقيل جهيمة الأوصابية الحميرية الدمشقية، تقدمت ترجمتها (1 21).
(¬8) في (غ) و (ر): "فيهم شيئاً من".
(¬9) تقدم تخريجه (1 21).
(¬10) هو: مجاهد بن جبر مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، تقدمت ترجمته (1 83).
(¬11) هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أحد الفقهاء السبعة، ولد سنة 23هـ، واختلف في وفاته فقيل سنة 93، وقيل 94، وقيل 95هـ. انظر: طبقات ابن سعد (5 178)، والحلية (2 176)، والسير (4 421)، وتهذيب التهذيب (7 180)، وغير ذلك.
الصفحة 138