كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)
وَصَارَ حَدِيثُ الْفِرَقِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ صَادِقًا عَلَى أَمْثَالِ الْبِدَعِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ/ تَبْتَدِعُ فِي دِينِ (اللَّهِ) (¬1) مِثْلَ تِلْكَ الْبِدَعِ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِبِدْعَةٍ لَمْ تَتَقَدَّمْهَا (فيها) (¬2) وَاحِدَةٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْبِدْعَةَ الزَّائِدَةَ (إِنَّمَا تُعْرَفُ بَعْدَ) (¬3) مَعْرِفَةِ الْبِدَعِ الْأُخَرِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ/ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ، أَوْ لَا يسوغ التعريف به وإن عرف، (فلذلك) (¬4) لَا تَتَعَيَّنُ الْبِدْعَةُ الزَّائِدَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي (الْحَدِيثِ) (¬5) أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِمَا أَخَذَ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمَا فَعَلَتْ فَارِسُ وَالرُّومُ؟ قَالَ: "وَهَلِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ" (¬6)، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرْبُ مَثَلٍ، فَقَوْلُهُ: "حَتَّى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها"، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَأْخُذُ بِمِثْلِ مَا أَخَذُوا/ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ أَعْيَانُ بِدَعِهِمْ، بَلْ قَدْ تَتَّبِعُهَا فِي أعيانها (وقد تتبعها) (¬7) فِي أَشْبَاهِهَا، فَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ" الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: "حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضب (خرب) (¬8) لاتبعتموهم".
¬_________
(¬1) في (غ) و (ر): "الإسلام".
(¬2) في (م) و (غ) و (ر).
(¬3) في (ت): "لا تعرف إلا بعد".
(¬4) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "فكذلك".
(¬5) في (غ) و (ر): "الصحيح".
(¬6) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد في المسند (2 325، 327، 336، 367، 511)، وابن أبي عاصم في السنة (1 36)، ونعيم بن حماد في الفتن (2 711)، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (3 533). وأخرجه من حديث أبي سعيد الخدري البخاري في الصحيح (7319)، ومسلم (2669)، وأحمد (3 84، 89، 94)، وابن أبي عاصم في السنة (1 37)، وابن حبان في الصحيح (6703) وللحديث روايات متقاربة من حديث ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وسهل بن سعد وشداد بن أوس.
(¬7) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وتتبعها".
(¬8) ساقطة من (غ) و (ر).
الصفحة 188