كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)
وَكُلُّ هَذَا التَّقْرِيرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَاتِ أَهْلُ (الْقِبْلَةِ) (¬1) مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ إِذَا اتُّبع فِي بِدْعَتِهِ لَمْ/ يُمْكِنْهُ التَّلَافِي ـ غَالِبًا ـ فِيهَا، وَلَمْ يَزَلْ أَثَرُهَا فِي الأرض (مستطيراً) (¬2) إلى (يوم القيامة) (¬3) قِيَامِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِسَبَبِهِ، فَهِيَ أَدْهَى مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ.
قَالَ مَالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِنَّ الْعَبْدَ لَوِ ارْتَكَبَ جَمِيعَ الْكَبَائِرِ بعد أن لا يشرك بالله شيئاً (رجوت) (¬4) لَهُ أَرْفَعُ الْمَنَازِلِ، لِأَنَّ كُلَّ ذَنَبٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ هُوَ/ مِنْهُ عَلَى رَجَاءٍ، (وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَيْسَ هُوَ مِنْهَا عَلَى رَجَاءٍ) (¬5)، (إِنَّمَا) (¬6) يُهوى (بِهِ) (¬7) فِي نَارِ جَهَنَّمَ (¬8). فَهَذَا مِنْهُ نص (في إنفاذ) (¬9) الوعيد.
(والمطلب) (¬10) الثاني: أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إصلاءهم (النَّارِ) (¬11)، وَإِنَّمَا (حُمِلَ) (¬12) قَوْلُهُ: (كُلُّهَا فِي النَّارِ)، أَيْ هِيَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ، كَمَا قَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} (¬13) / أي ذلك جزاؤه (إن جازاه) (¬14)، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَلَهُ الْعَفْوُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ/ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (¬15)، فَكَمَا ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَاتِلَ فِي الْمَشِيئَةِ (¬16) ـ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِدْرَاكُ كَذَلِكَ ـ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هُنَا بمثله.
¬_________
(¬1) في (غ) و (ر): "الغفلة".
(¬2) في (ط): "مستطيل".
(¬3) زيادة من (م).
(¬4) في (ط) و (ت): "وجبت". وفي (ت) و (م): "رجيت".
(¬5) ساقط من (غ) و (ر).
(¬6) في (غ) و (ر): "إما".
(¬7) في (غ) و (ر): "بها".
(¬8) بنحوه في حلية الأولياء (6 325).
(¬9) في (غ) و (ر): "بإنفاذ".
(¬10) ما بين القوسين زيادة من (ت).
(¬11) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "في النار".
(¬12) في (غ) و (ر): "يحمل".
(¬13) سورة النساء: الآية (93).
(¬14) ساقط من (ط).
(¬15) سورة النساء: الآية (48).
(¬16) تقدم الكلام على هذه المسألة (3/ 189).
الصفحة 192