كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)

أَعْمَتْ بَصَرَهُ وأصمَّت سَمْعَهُ وَاسْتَوْلَتْ عَلَى كُلِّيَّتِهِ، وَهِيَ غَايَةُ الْمَحَبَّةِ، وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا (مِنْ) (¬1) هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالَى بِسَبَبِهِ وَعَادَى، وَلَمْ يُبَالِ بِمَا لَقِيَ فِي طَرِيقِهِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ، فَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ حصَّلها، وَنُكْتَةٍ اهْتَدَى إِلَيْهَا، فَهِيَ مدَّخرة فِي خِزَانَةِ حِفْظِهِ يَحْكُمُ بها على من وافق أو خالف، لَكِنْ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى إِمْسَاكِ نَفْسِهِ عَنِ الإظهار مخافة (النكال) (¬2) / أو القيام عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْإِضْرَارِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَاهَنَ عَلَى نَفْسِهِ فِي شَيْءٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِظْهَارِهِ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَبْلَغَ الِاسْتِيلَاءِ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا اسْتَخْفَى بِهَا صَاحِبُهَا.
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنْ أُشربها نَاصِبٌ عَلَيْهَا/// بِالدَّعْوَةِ (الْمُقْتَرِنَةِ بِالْخُرُوجِ عَنِ) (¬3) الْجَمَاعَةِ وَالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، وَهِيَ الْخَاصِّيَّةُ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْخَوَارِجِ وَسَائِرِ/ مَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِمْ.
وَمِثْلُ مَا حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَوَاصِمِ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ (¬4) بِمَدِينَةِ السَّلَامِ: أَنَّهُ وَرَدَ بِهَا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الكريم بن هوازن الْقُشَيْرِيُّ (¬5) الصُّوفِيُّ مِنْ (نَيْسَابُورَ) (¬6) فَعَقَدَ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ، وحضر فيه
¬_________
(¬1) ساقط من (م) و (غ) و (ر).
(¬2) في (م): "الاتكال". وفي (ت): "التنكيل". وفي (غ) و (ر): "الإنكار".
(¬3) في (غ) و (ر): "المفترقة بالخروج علي".
(¬4) ليسوا من أهل السنة بل هم أشاعرة أصحاب القشيري المذكور في هذه القصة.
(¬5) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري النيسابوري الصوفي الأشعري، صاحب الرسالة المشهورة باسم (الرسالة القشيرية)، ولد سنة 375هـ، وتفقه على مذهب الشافعي، وكان صاحب مجالس وعظ مشهورة، توفي سنة 465هـ. انظر: تاريخ بغداد (11 83)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (5 153)، والسير للذهبي (18 227). ولم أقف على هذه الحادثة في سيرة أبي القاسم القشيري، وإنما ذكرت قصة مشابهة لها في ترجمة أبي جعفر عبد الخالق بن عيسى الهاشمي شيخ الحنابلة في عصره، والذي قرر مذهب الأشاعرة هو أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري، راجع المنتظم لابن الجوزي (16/ 181)، وذيل طبقات الحنابلة (1/ 19)، والبداية والنهاية (16/ 59).
(¬6) في (خ) و (م) و (ت) و (غ): "يشاغور"، والصحيح: نيسابور. وذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان (5/ 331) أن العامة تسميها "نشاوور". والقصة مذكورة في العواصم والقواصم لابن العربي (2/ 282) بلفظ: "نيسابور".

الصفحة 227