كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)

وَقَعَتِ الْمِحْنَةُ بِهِ زَمَانَ بِشْرٍ الْمَرِّيسِيِّ (¬1) فِي حضرة المأمون وابن أبي داود (¬2) وغيرهما.
فإن لم تبلغ البدعة بصاحبها (أن يناصب) (¬3) هَذِهِ الْمُنَاصَبَةَ فَهُوَ غَيْرُ مُشْرَبٍ حُبَّهَا فِي قَلْبِهِ كَالْمِثَالِ فِي الْحَدِيثِ، وَكَمْ مِنْ أَهْلِ (البدع) (¬4) لَمْ يَقُومُوا بِبِدْعَتِهِمْ قِيَامَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، بَلِ اسْتَتَرُوا بِهَا جِدًّا، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلدُّعَاءِ إِلَيْهَا جِهَارًا، كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَدُّ فِي الْعُلَمَاءِ وَالرُّوَاةِ وَأَهْلِ الْعَدَالَةِ بِسَبَبِ (عَدَمِ) (¬5) شُهْرَتِهِمْ بِمَا انْتَحَلُوهُ.
فَهَذَا الْوَجْهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ أولى الوجوه بالصواب،/ وبالله التوفيق.

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ:
أَنَّ هَذَا الْإِشْرَابَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هَلْ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْبِدَعِ دُونَ بَعْضٍ، أَمْ لَا يَخْتَصُّ؟ وَذَلِكَ (أَنَّهُ) (¬6) / يُمْكِنُ أَنَّ (تكون) (¬7) بَعْضَ الْبِدَعِ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُشْرِبَ قَلْبَ/ صَاحِبِهَا جِدًّا، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَالْبِدْعَةُ الْفُلَانِيَّةُ مَثَلًا مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَتَجَارَى بِصَاحِبِهَا كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، وَالْبِدْعَةُ الْفُلَانِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَبِدْعَةُ الْخَوَارِجِ مَثَلًا فِي طَرَفِ الْإِشْرَابِ كَبِدْعَةِ الْمُنْكِرِينَ لِلْقِيَاسِ فِي الْفُرُوعِ الْمُلْتَزِمِينَ (للظاهر) (¬8) فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ (يَتَجَارَى) (¬9) ذَلِكَ فِي كُلِّ بِدْعَةٍ عَلَى الْعُمُومِ فَيَكُونُ مِنْ أهلها من (أشربت قلبه، ومنهم من لم تشرب قلبه ذلك الإشراب، وهذا الثاني هو الأظهر،
¬_________
(¬1) تقدمت ترجمته (ص40).
(¬2) هو أحمد بن فرج بن حريز الجهمي، رأس فتنة القول بخلق القرآن، مات سنة 240هـ. انظر: تاريخ بغداد (4 141)، والسير (11 169).
(¬3) زيادة من (غ) و (ر).
(¬4) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "البدعة".
(¬5) ساقط من (غ) و (ر).
(¬6) في (غ) و (ر): "إنما".
(¬7) زيادة من (غ) و (ر).
(¬8) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الظاهر".
(¬9) في (غ) و (ر): "يجري".

الصفحة 229