كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 3)
قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ (¬1) وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْقِرَافِيُّ (¬2).
وَالْعَاشِرُ: قالوا في الحديث: أنه صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ توضأ وضوءه للصلاة (¬3)، ثم فيه: كان صلّى الله عليه وسلّم يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً (¬4)، وَهَذَا تَدَافُعٌ. وَالْحَدِيثَانِ مَعًا لِعَائِشَةَ رَضِيَ/ اللَّهُ عَنْهَا.
وَالْجَوَابُ سَهْلٌ: فَالْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَيْنِ مُوَسَّعٌ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، وَفَعَلَ الْآخَرَ أَيْضًا وَأَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ: كَانَ يَفْعَلُ، حَصَلَ مِنْهُمَا/ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ وَيَتْرُكُ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُسْتَحَبِّ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا (¬5).
فَهَذِهِ عَشَرَةُ أمثلة تبين لك مواقع الإشكال، (وأين رَتَّبْتُهَا) (¬6) مَعَ ثَلْجِ الْيَقِينِ، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ/ كُلُّ (مُوقِنٍ) (¬7) بِالشَّرِيعَةِ أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِيهَا ولا اختلاف، فمن توهم ذلك فيها فلم (ينعم) (¬8) النَّظَرَ وَلَا أَعْطَى وَحْيَ اللَّهِ حَقَّهُ، وَلِذَلِكَ قال الله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} (¬9) فَحَضَّهُمْ عَلَى التَّدَبُّرِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَعْقَبَهُ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}، فبين أنه لا اختلاف فيه، والتدبر يعين على تصديق ما أخبر به.
¬_________
(¬1) الشاطبي نقله عن ابن قتيبة بالمعنى، انظر: تأويل مشكل الحديث (ص136 ـ 137).
(¬2) أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي، أحد تلاميذ العز بن عبد السلام من أشهر علماء المالكية توفي سنة 684هـ، انظر: الأعلام للزركلي (1 94).
(¬3) أخرجه البخاري (286، 288)، ومسلم (305)، وأحمد في المسند (6/ 36، 91، 102)، وأبو داود (222)، والنسائي (255، 256)، وابن ماجه (584) وغيرهم.
(¬4) أخرجه أحمد في المسند (6/ 43، 102، 106)، وأبو داود (228)، والترمذي (118)، والنسائي في الكبرى (9052)، وابن ماجه (581)، وصححه الألباني في آداب الزفاف (ص39)، وتكلم على المسألة ابن عبد البر في التمهيد (17/ 39)، وابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (1/ 261)، وابن حجر في الفتح (1/ 394) و (3/ 32).
(¬5) انظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: فتح الباري لابن حجر (1 467 ـ 470).
(¬6) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وإني رتبتها".
(¬7) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "موفق".
(¬8) في (ت): "يمعن".
(¬9) سورة النساء: الآية (82).